: آخر تحديث

ماذا بعد موسكو؟

25
32
45
مواضيع ذات صلة

بلوغ المسيّرات الأوكرانية موسكو، هل يمكن أن يقع في خانة التصعيد المحسوب؟ أو من قبيل الرقص على حافة الهاوية والمخاطرة بدفع الحرب إلى أمد أوسع؟

في الحالتين، هناك تصميمٌ أوكراني على إظهار قدرات هجومية وليس الإكتفاء بالدفاع، والوصول إلى قلب موسكو بـ"الذكاء الاصطناعي" على حدّ تعبير المستشار في الرئاسة الأوكرانية ميخائيلو بودولياك، يبعث برسائل مزدوجة لروسيا وللغرب على حدّ سواء.
 
وعندما يطالب وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي روزنيكوف بـ 100 مقاتلة من طراز "إف-16"، بعدما حصل على مئات الدبابات الغربية المتطورة، لحسم الحرب، فإنّ مهاجمة موسكو نفسها، لم يعد خطاً أحمر بالنسبة لكييف، المتكئة على دعم غربي غير محدود.
 
القيادة الأوكرانية تريد القول للغرب، إنّها قادرة على الضرب في العمق الروسي، على رغم المعارضة الأميركية العلنية للذهاب إلى هذا الحدّ من المجازفة، لئلا تستثير رداً عنيفاً من القيادة الروسية.
 
ما تحاول القيادة الأوكرانية تحقيقه من وتيرة متصاعدة في الاستهدافات للأراضي الروسية، هو إقامة معادلة جديدة تضع موسكو في مقابل كييف، أي أنّ العمق الروسي بالعمق الأوكراني، وهذا ينسحب على مهاجمة البنى التحتية أيضاً.
 
والرهان الأوكراني يقوم أيضاً على أنّ روسيا جرّبت كل شيء في أوكرانيا، باستثناء الأسلحة النووية، التي لن يكون استخدامها بالأمر السهل على الكرملين لاعتبارات تتجاوز أوكرانيا.
 
ومن غير الصحيح أنّ ضرب الداخل الروسي لا يحظى بموافقة أميركية ضمنية، على الرغم من الذي يُقال في العلن. فالولايات المتحدة تريد أيضاً التعجيل بوضع حدّ للنزاع. وعندما يظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمظهر العاجز عن حماية موسكو، فربما يحمله ذلك، بحسب اعتقاد صانعي القرار في واشنطن، على القبول بتسوية تنقذ حكمه على الأقل في الداخل، ولا تحقق أياً من أهدافه في الخارج.
 
من الآن وحتى العام المقبل تكون أوكرانيا تقريباً قد استبدلت كل أسلحتها السوفياتية بأسلحة أطلسية، فيما جنودها يتلقّون، بعشرات الآلاف، التدريب في قواعد أطلسية، الأمر الذي من شأنه عملياً تحويل أوكرانيا إلى دولة شبيهة ببولندا ورومانيا. وهذا يمكن اعتباره انضماماً فعلياً لحلف شمال الأطلسي.
 
إنّ نقل الأعمال العسكرية إلى الداخل الروسي، يعني تطوراً مادياً ونفسياً لا يُستهان بهما، في وقت يستعد الجيش الأوكراني لشنّ هجوم في الأيام والأسابيع المقبلة.
 
وربما كان الأثر النفسي هو المنشود أكثر من الأثر المادي للهجمات الأوكرانية في العمق الروسي، نظراً لما يمكن أن يتركه من تداعيات على بوتين شخصياً. الصقور سيتهمّونه بالتقصير في حماية الأراضي الروسية، خصوصاً العاصمة، فيما منتقدوه سيقولون إنّ قرار الحرب في أوكرانيا كان قراراً خاطئاً من أصله.
 
منذ 15 شهراً تدور الحرب داخل أوكرانيا، ولا يشعر سكان المدن الروسية بتداعياتها المباشرة. مع ارتفاع وتيرة الهجمات الأوكرانية على الداخل الروسي، لا بدّ انّ الأمر سيختلف. بعض الروس سيكونون أكثر جرأة في انتقاد بوتين لأنّه شنّ الحرب، وبعضهم الآخر سينتقدونه على طريقة إدارته لها والوصول إلى هذه النتيجة.
 
كل ذلك لا يلغي أنّ التجارب التاريخية تدلّ إلى أنّ الروس لم يتكتلوا ويتوحّدوا ويبذلوا التضحيات الكبرى، إلاّ عندما دقّ الخطر أبواب موسكو.
 
ومن هنا، تقول أميركا في العلن، إنّها ضدّ مهاجمة الداخل الروسي، كي لا تعطي صدقية لمقولة بوتين إنّه ذهب إلى الحرب دفاعاً عن خطر وجودي يتهدّد روسيا. التبنّي العلني الأميركي سيثير حنق الكثيرين من الروس، الذين كانوا حتى الآن لا يؤيّدون سياسة الرئيس الروسي.
 
إنّ نقل الحرب إلى روسيا، لا يمكن إلّا وأن يؤدي إلى عقد مقارنات تاريخية. وهذه المقارنات لا تصب في مصلحة أعداء روسيا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد