هناك موضوع لربما لا يخطر على بال أحد أن يكتب عنه، ولم يستوقف الكثير من الكتّاب، بالرغم من أنه يعيش معنا كل يوم، يقطع إشارات المرور معنا، ويزاحمنا أمام المقاهي وأبواب المتاجر، ويطرق زجاج سياراتنا بعنف كأنه يوقظ ضميرًا نائمًا. هذا الموضوع هو عالم الشحّاذين؛ ذلك العالم الذي يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة عالم كامل، له قوانينه ووجوهه وأساليبه وممثلوه المحترفون.
لقد اعتدت على رؤيتهم أكثر من رؤيتي لوجهي في المرآة. تراهم صباحًا عند الإشارات، وظهرًا في الأسواق، ومساءً أمام المطاعم. بعضهم أصبح جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، كالأرصفة المكسورة أو أصوات الباعة الجائلين. حتى إنك إذا غاب أحدهم يومًا، تشعر أن هناك خللًا ما في الشارع.
أكثر ما يثير دهشتي ليس وجودهم، بل تلك الجرأة الغريبة التي يمتلكونها. يطرق أحدهم زجاج سيارتك بإلحاح شديد، وكأنك مدين له بشيء. وإذا تجاهلته ظل يحدق بك بنظرة طويلة مليئة باللوم، أما إذا فتحت نافذتك ومنحته مبلغًا لا يرضيه، فقد تنقلب الدعوات إلى شتائم مكتومة أو نظرات احتقار، وكأنك أهنته بدل أن تساعده. هم لا يريدون "حسنة" كما يسمونها هنا، بل يريدون أن تفتح لهم محفظتك كاملة، وأن تدفع ثمن شعورك بالشفقة.
في وسط البلد، هناك سيدة عجوز جدًا، ظهرها منحني حتى يبدو كأنه يحمل عمر مدينة كاملة فوقه. تبيع المناديل بطريقة لا تشبه أحدًا، أو بالأصح تمارس الشحاذة متنكرة في هيئة بائعة مناديل. لها حضور صاخب ولسان سليط لا يرحم. الجميع يعرفها، والجميع يتحاشاها في الوقت نفسه. كانت تنادي على مناديلها بطريقة مضحكة، فيها شيء من المسرح الشعبي، وكأنها تقدم عرضًا يوميًا في الشارع.
كنت أراها كثيرًا وأتجنب النظر إليها، ليس خوفًا منها، بل خوفًا من الدخول في معركة كلامية خاسرة. ذات يوم قال لها زميلي بلطف:
"ربنا يسترها معكِ".
فردت فورًا دون أن تتردد:
"يارب يعطي الناس كلها، ما عداك".
انفجرنا ضاحكين حتى كدنا نسقط من أماكننا، بينما اصفرّ وجه زميلنا كأنه تلقى صفعة حقيقية. كانت المرأة تمتلك قدرة عجيبة على تحويل الدعاء إلى إهانة، والسخرية إلى سلاح يومي.
الغريب أن الشحاذة نفسها لم تتطور منذ التسعينيات. نفس الحيل القديمة، ونفس القصص المحفوظة، ونفس الملامح الحزينة التي تُعرض على المارة كأنها إعلانات متنقلة للبؤس. هناك من يكشف عن جرح قديم، ومن يرفع طرف ثوبه ليظهر ساقًا مشوهة، ومن يجلس على الرصيف بعينين منكستين ويد مرتجفة. بعضهم اكتشف أن العاهة مصدر رزق، وأن الشفاء قد يكون خسارة اقتصادية حقيقية.
أحيانًا أفكر بسخرية: لو أن أحدهم تعالج فعلًا، ربما شعر بالخوف من المستقبل أكثر من فرحته بالشفاء، لأن المرض بالنسبة إلى البعض أصبح رأس مال يدرّ عليه المال كل يوم.
ولأن الشحاذة لم تتطور، فإن أكثر "الابتكارات" حداثة هي شحاذة المناديل الورقية. يمنحك الشحّاذ علبة كلينكس رخيصة لا تحتاجها أصلًا، فإذا أعطيته المال رفض أن تأخذ المناديل، لأنه لا يبيع شيئًا في الحقيقة، بل يشتري منك لحظة تعاطف. العملية كلها قائمة على إحراجك أمام نفسك، لا على التجارة.
لن تجد شحاذًا أنيقًا كما فعل عادل إمام في فيلم المتسول، ذلك الشحاذ الأرستقراطي الذي كان لا يقبل إلا الدولار، وكأن التسول أيضًا له ذوق طبقي خاص. الواقع أكثر قسوة وأقل خفة من السينما، بالرغم من أن السينما المصرية اقتربت كثيرًا من هذا العالم، ربما لأنها أدركت أن الشحاذة ليست مجرد فقر، بل حكاية اجتماعية كاملة.
أتذكر أيضًا فيلم الفنان الراحل فريد شوقي حين وجد أن معاشه لا يكفيه، فصار شحاذًا بعد انتهاء عمله. كان المشهد ساخرًا ومؤلمًا في آن واحد، لأنه يطرح سؤالًا مخيفًا: إلى أي حد يمكن أن تدفع الحاجة الإنسان للتخلي عن صورته القديمة؟
ولو سألتني من الأكثر جرأة في طلب المال، فسأقول بلا تردد: النساء. المرأة الشحاذة تمتلك قدرة هائلة على الاقتحام والإلحاح. لا تخاف من الشرطة، ولا تخجل من مطاردة الناس، بل أحيانًا تدخل إلى مساحة الشخص الخاصة دون أي تردد. هناك نساء يحملن أطفالًا نائمين طوال اليوم، حتى يخيل إليك أن الطفل لم يستيقظ منذ سنوات. ونساء يروين القصص ذاتها بحزن محفوظ ومتقن، حتى تشعر أحيانًا أنك تستمع إلى مونولوج مسرحي يتكرر في كل شارع.
لكن خلف كل هذا، يبقى السؤال الأصعب:
من هو الشحّاذ الحقيقي؟
هل هو ذلك الرجل الذي يطارد السيارات عند الإشارة؟
أم تلك المرأة التي تحفظ جمل الاستعطاف عن ظهر قلب؟
أم ذلك الموظف الذي يعمل ثلاث وظائف ولا يكفيه راتبه؟
أم الأب الذي يعود إلى بيته آخر الليل خالي اليدين لكنه يرفض أن يمد يده لأحد؟
أعتقد أن الفقير الحقيقي غالبًا لا يراك أصلًا. يمشي بصمت، ويخفي حاجته كما يخفي الناس أسرارهم الثقيلة. لا يضرب زجاج السيارات، ولا يصرخ في الشوارع، ولا يحول بؤسه إلى مهنة يومية. الفقير الحقيقي يخجل من السؤال، بينما الشحّاذ المحترف يتقن فن المطالبة.
وربما لهذا السبب أصبحنا مرتبكين أمامهم؛ لا نعرف هل نعطيهم بدافع الرحمة، أم نرفض بدافع الشك. لقد اختلطت الحاجة بالاحتيال، والشفقة بالضيق، حتى صار الإنسان وهو يخرج نقوده لا يعرف إن كان يساعد فقيرًا حقًا، أم يمول مسرحية طويلة يؤديها الشارع كل يوم بلا نهاية.

