: آخر تحديث

مجتمعات سائلة

3
3
3

نعم، مجتمعات سائلة، وهي مسألة وقت وتتحول إلى الحالة الغازية، والأمثلة ظاهرة على المشاع لا تُعد، وتتجلى حالة السيولة في هذه المجتمعات في قوانين مائعة مبهمة، وشوارع من الفوضى والمخلفات، ومؤسسات هشة، وموارد مهدورة ومنهوبة، وكيانات عنصرية مشقوقة أركانها الرئيسة نصب واحتيال وكذب ونفاق وتقية خبيثة وكراهية مدفونة بين مكونات المجتمع، وأيديولوجيات طائفية تنخر في هيكلها العظمي، مع حزمة تراثية من العدائيات العرقية والمذهبية المستدامة والمخزنة من قرون طويلة والجاهزة للتفجير وقت الحاجة.

والعوامل التي حولت هذه المجتمعات من الحالة الصلبة إلى الحالة السائلة عوامل عديدة، منها أن هذه المجتمعات مصابة بالارتجاع، فبدلاً من أن يشع المركز حضارة ومدنية إلى الأطراف، صدرت الأطراف بداوتها وتخلفها إلى المركز، فالحبل الشوكي للدولة المركزية معطوب. عامل آخر هو الانفصام الكوني، أي الانكفاء على أوهام محلية بامتياز، واللغو واللغي فيها ليل نهار، بينما الكوكب كله مهموم بحالة تحول خطير ستغير موازين قوى وسياسات ووجود ومحو لكيانات من خرائط الكوكب، بينما هؤلاء البشر عالقون في القرن السادس بكل تفصيلاته، محملون بأيديولوجية التجييش ضد أي جهة أو أي شخص أو أي فكر يحاول تغيير واقع مجتمع محقون في أوردته بمخدر قوي أدمنته هذه المجتمعات، ولم تعد محاولات الإفاقة منه تجدي. واستمرأت الدولة قيادة قطعان مخدرة تائهة لا هم لها سوى الطعام والتناسل والميديا القذرة والتحرش والرشوة والفساد، مع تاريخ مزيف ومظاهر تدين كاذبة لزوم تزييف الضمائر.

عامل إضافي مهم ساهم في تمييع حالة هذه المجتمعات هو العداء العنيف المتفجر للتعدد والاختلاف، أيّاً كان نوعه دينياً أو عرقياً أو مذهبياً، بينما نفس العامل كان دعامة رئيسة للمجتمعات الصلبة.

والحضارة والمدنية التي ننعم بمنتجها التقني والطبي والغذائي والصناعي هي نتاج حضارة المجتمعات الصلبة، أي المجتمعات المؤسسة على قواعد مسلحة ومحصنة بالعلم والعقل والحرية والمساواة والديمقراطية وسيادة القانون والسلطة المتداولة بسلاسة وسلمية وهوية وطنية واضحة.

والغريب أن هذه المجتمعات الصلبة التي تعد شريان حياة للكوكب كله مرت بمراحل أقسى من مجرد السيولة، وصلت إلى الحالة الغازية الخطرة التي كان يمكن، لو استمرت، أن تضمحل وتتبخر هذه الأمم تاريخاً وجغرافياً، لكن تماسكت وجمعها شعور الانتماء إلى هذه البقعة التي يملكونها، فإن تبخرت ضاعوا وتشرذموا، لكنهم قاوموا بشراسة وتماسكوا وصنعوا معجزة يشهد لها الكون كله، ليست معجزة واحدة بل معجزات حدثت في اليابان وكوريا وألمانيا والصين وفيتنام وغيرهم كثر في شرق آسيا، وحتى في أفريقيا.

ويبرز السؤال المصيري: هل يمكن أن تعود هذه المجتمعات إلى الحالة المتماسكة، ولا نقول الصلبة؟ وهل يمكن استيعاب الدروس المستفادة من ضياع سوريا ولبنان والعراق وفلسطين وليبيا والصومال واليمن ودول أخرى مرشحة بقوة للالتحاق بالركب؟ ستجيب الأيام وإرادة الشعوب، وإن كانت الشواهد على الساحة بائسة بؤس هذه الشعوب المنكوبة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.