: آخر تحديث

ظلّ العشيرة يخنق الوعي!

5
5
3

التصفيق الذي يُمارَس بلا وعي لشيخ العشيرة لا يُعبّر عن الفرح، بل عن انكسارٍ خفيّ، عن انسحاقٍ داخلي. وفي ظلّ هذا، ما يزال البعض يظنّ أن العشيرة واسم العائلة أهمّ من اسم الإنسان، وأن الانتماء لرايةٍ موروثة أسمى من الولاء لفكرةٍ حرّة، عاقلة، خالصة.

إنّ ما يُمارسه بعض الأفراد، وللأسف، من تصفيقٍ للعشيرة وأبنائها، لا ينبع من حبّ، بل من خوف؛ لا من فخر، بل من وهمٍ طويل الأمد، تعمّد التاريخ أن يزرعه في العقول منذ قرون. وهمٌ يجعل الولاء للأسماء لا للأفعال، للدم لا للقيم، للأنساب لا للإنجاز. هؤلاء لا يصفّقون لرمزٍ أخلاقي أو إنساني، بل لظلٍّ قبليّ قديم، يستمدّ وجوده من أروقة الجهل والتبعيّة العمياء.

ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه، بكثافة وشجاعة، هو: ما الفائدة من هذا التطبيل، من هذا التصفيق المهووس، الذي يخرج من أفواهٍ لم تتعلّم سوى الهمس في حضرة الأقوياء، والزعيق في وجه الضعفاء؟

هؤلاء "المصفّقون"، أولئك الذين ما زالت الأميّة تجري في دمائهم مجرى الوراثة، لا يرون في الوطن سوى امتدادٍ للعشيرة، وفي الدولة سوى خيمةٍ كبيرة يجلس في وسطها شيخ القبيلة. هم لا يؤمنون بالقانون، بل بالعرف؛ لا يحترمون المؤسّسات، بل يُقدّسون الألقاب؛ لا يحتكمون للعقل، بل للخرافة.

إنّ الأميّة هنا لا تعني فقط الجهل بالقراءة والكتابة، بل تعني، بوجهٍ أعمق وأخطر، جهل الروح، وعتمة الوعي، وغربة الإنسان عن نفسه وعن قيم الحرية والكرامة والمساواة. أميّتهم ليست في الأبجدية، بل في الهويّة. إنهم يروون حكاياتهم من خلال دم العائلة، لا من خلال فكر التجربة. ويؤمنون أن الحقّ يُصنع حين يُقال من فم ابن العشيرة، لا حين يُعلن عن طريق العقل والمنطق والدليل.

فيا تُرى، أيّ مستقبل يمكن أن يُبنى على هذا الركام من الجهل المقدّس؟

العشيرة، في تاريخنا الاجتماعي، كانت يوماً ضرورة. قبل الدولة الحديثة، كانت ملاذاً للأمان، ومظلّةً للحماية، وسنداً في مواجهة غدر الصحراء وتقلّبات الأعداء. لكنها ما لبثت، مع الزمن، أن تحوّلت من رابطة اجتماعية إلى سلطةٍ سياسية خفيّة، ومن إطار تضامني إلى منظومة استبدادية لا تعترف إلا بالولاء، ولا تحترم إلا من يدور في فلكها.

وهكذا، صارت العشيرة درعاً منيعاً لكلّ فاسد، وغطاءً لكلّ مرتزق، وسوراً يحتمي خلفه من أكل أموال الناس بالباطل ومن ساهم في إذلالهم. وصار "ابن العشيرة" أعلى من القانون، يُصفَّق له إذا ظلم، ويُبارك إذا خان، وتُقام له الاحتفالات إذا نهب. لا لأنّه أحقّ أو أذكى، بل لأنّه يحمل اسماً قد يجرّ خلفه جحافل من الجهلة المصفّقين.

لو نظرنا إلى بنية مجتمعاتنا، لوجدنا أنها مشيّدة على أسسٍ قبلية متوارثة، تتجلّى حتى في عمرانها المادي. الأحياء تُسمّى بأسماء العشائر، والبيوت تُبنى قريباً من "شيخ العشيرة"، والمناسبات تُقام في دواوين تحاكي خيام الجاهلية. هناك مسافة طويلة، لا تُقاس بالأمتار بل بالعقول، بين بيت المواطن وبيت "الزعيم"، وهذا الأخير لا يُقصد إلا بموعد، ولا يُنظر إليه إلا بعين الرجاء أو الخوف.

ما تزال السلطة الحقيقية تُمارَس في الظل، لا في مكاتب الحكومة. هناك، في دواوين العشائر، تُعقد الصفقات، وتُعالج الجرائم، وتُفرض "الفصول العشائرية" بدلاً من المحاكم، وكأنّ القانون لا يساوي شيئاً إذا لم تُصادق عليه العصبيّة.

وهكذا، تحوّلت دواوين العشائر إلى محاكم بديلة، لا تخضع للقانون، بل تُخضع القانون لها. فهل نلوم إذن المواطن البسيط، حين يرى في ابن العشيرة سلطةً إلهية لا يُردّ لها أمر؟

الإنسان، في طبيعته، كائنٌ اجتماعي. وهذا ما يجعل صوت الجماعة أقوى من صوت الفرد في كثير من الأحيان. لكن الخطر يكمن حين تُصبح الجماعة مصدراً للخوف لا للطمأنينة، وحين يُجبر الإنسان على التصفيق وهو مكسور من الداخل، خائف من التمرّد، متردّد في الانفصال عن القطيع.

في مجتمعات العشيرة، يُلقَّن الفرد منذ طفولته أن خروجه عن السياق خيانة، وأن التفكير المستقلّ ضلال، وأن الولاء للدم مقدّم على كلّ شيء. وهكذا ينشأ الإنسان وهو يخشى ذاته، ويخاف أن ينظر في المرآة دون أن يجد صورة القبيلة منعكسة على ملامحه.

بل إنّ البعض من هؤلاء "المصفّقين" لا يفعلون ذلك عن قناعة، بل عن اضطرار. في دواخلهم تمرّدٌ صامت، لكنه مكبوت تحت أثقال الخوف من العزل أو الإقصاء أو الوصم. ومن هنا، فإنّ التصفيق للعشيرة لا يُعبّر فقط عن الجهل، بل عن المأساة الوجودية التي يعيشها الإنسان حين يُطلب منه أن يضحّي بحريته الفكرية مقابل الأمان الاجتماعي.

نطلّ كصرخة في العتمة. نكتب بحرقة، في زمنٍ صار فيه الصمت أكثر راحة من الكلام. نخاطب من عمق التجربة، من جراح الوطن الذي صار مقصلةً للضعفاء، ومن ذاكرة شعبٍ يئنّ تحت سطوة السيف المرفوع باسمه.

لا نهاجم العشيرة بوصفها كياناً اجتماعياً، بل نواجه التوظيف السيّئ لها، والاستغلال الذي يُمارَس على ظهور البسطاء. وهذا ما بتنا نراه اليوم، وباتّساع، في سوريا، وعلى وجه التحقيق، في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة.

لا نكتب بحقد، بل بغضبٍ شريف. لا نطالب بإلغاء الروابط الاجتماعية، بل نطالب بأن تُعاد صياغتها تحت مظلّة القانون والعدالة والمساواة.

"لنصحو من هذه الخزعبلات"، نقولها كمن يصرخ في بريّة، لا يسمعه أحد، لكنّه يُصرّ على الصراخ. ندعو إلى أن نهتمّ بأنفسنا، لا بمعارك كاذبة، أن نُعيد اكتشاف ذواتنا خارج قبائل الورق، أن نُصفّق للحقّ لا للنسب، للحقيقة لا للاسم، للإنسان لا للعشيرة.

قد لا نستطيع تغيير الماضي، ولا الانفصال الفوري عن إرثٍ قبليٍّ تغلغل في عروق المجتمع، لكنّنا نستطيع أن نُعيد تشكيل وعينا، أن ننقل الولاء من الدم إلى القيم، من الاسم إلى الفعل، من العشيرة إلى الإنسان.

الوطن لا يُبنى بالتصفيق الأعمى، بل بالسؤال الصادق، بالتفكير الحرّ. لا نريد أن نُصبح أفراداً بلا جذور، لكنّنا نرفض أن نكون جذوراً بلا فروع.

فلنُربِّ أبناءنا على أن يكونوا أحراراً، لا أن يكونوا مجرّد "أبناء فلان".
ليس الفتى من يقول كان أبي، إنما الفتى من يقول ها أنا ذا.
أي الافتخار بالنفس، لا بالوالد أو الأجداد أو العشيرة التي ينتمي إليها.

فلنُصفّق لكلّ من يصنع الفرق، لا لمن وُلد في حضن السلطة. ولنسمح لضمائرنا أن تستيقظ، قبل أن يُغتال الوطن مرةً أخرى على يد أبنائه، تحت رايات العشيرة، وتحت تصفيق الجهل.

ونقولها بالفم الملآن: ما الهدف اليوم من أن نعود أدراجنا ونهتف باسم العشيرة وشيخها، والخضوع له، والعمل على تأمين مطالبه، وهو الذي يركض مسرعاً للحصول على مكسبٍ مالي أو مكانةٍ اجتماعية، وما على البقية إلا الرقص؟

نعم، هم كذلك، ولا نريد لهذه الصورة أن تتكرّر، ولا نريد لأيّ شيخ عشيرة أن يُسلّط سيفه على رقاب الناس.

وعلى أبناء العشيرة، مهما ادُّعي لهم من نفعٍ أو قيمةٍ أو حضور، أن يستعيدوا حرّية القرار المسلوب، وأن يكفّوا عن الارتهان لأتباعٍ أعمى لا يُورّث إلا الوهم. فليس من العقل ولا من الكرامة أن يبقوا أسرى صورةٍ متآكلة تُدعى "شيخ العشيرة"، صورةٍ باتت عبئاً ثقيلاً أكثر منها مرجعية، وقد انكشف زيفها تحت وطأة الوعي المتنامي. لقد تجاوزها الزمن، وتخطّاها كثيرون ممن اختاروا حياةً حرّةً كريمة، لا تخضع لسلطةٍ فقدت مشروعيتها، ولا تعترف بمكانةٍ لم يعد لها من المبرّرات سوى التكرار والخوف.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.