: آخر تحديث

هل خانت المنصّات الكاريكاتير؟

6
4
6

الكاريكاتير لم يكن يومًا زينةً في الهامش، ولا فاصلًا بصريًا يلتقط أنفاس الصفحة، بل كان عقلًا يُرسم، وضميرًا يتخفّى في ابتسامة. خطٌّ واحد كان يكفي ليُربك يقينًا، وظلٌّ بسيط كان أقدر على فضح واقعٍ كامل من أعمدةٍ طويلة. كان الكاريكاتير يقول ما لا يُقال، لا لأنه صاخب، بل لأنه ذكي، يدخل بخفّة ويغادر مثقلًا بالأسئلة.

في زمنه الذهبي، كان القارئ يبدأ به قبل العناوين، لا بحثًا عن الضحك، بل عن الحقيقة المواربة. نضحك أولًا، ثم نشعر بوخزةٍ خفيّة، فالكاريكاتير لا يمنحك متعة بريئة، بل يضعك أمام مرآةٍ لا تُجامل. فهو فنّ السخرية الراقية، التي تُعرّي دون ابتذال، وتنتقد دون خطابة، وتُحرج الفكرة لا صاحبها.

ثم تغيّر المشهد. تسارعت الإيقاعات، وضاق زمن التأمّل، وصعدت المنصّات التي تُكافئ اللقطة لا المعنى، والانتشار لا الأثر. فلم تمت قيمة الكاريكاتير، لكن المساحة التي كانت تحميه تآكلت. فصار المطلوب صورة تُستهلك بسرعة، لا رسمًا يُقرأ ببطء. ومع هذا التحوّل، تراجع حضور القارئ المتأنّي، ذاك الذي كان يفكّ الشفرة، ويلتقط الرمز، ويقرأ ما بين الخطوط.

فالكاريكاتير بطبيعته فنّ صبور، يحتاج عينًا لا تمرّ، وعقلًا لا يكتفي بالضحكة. فلا يعيش على الإعجابات، ولا يطلب التصفيق، ولا يلهث خلف الترند. هو فنّ عنيد، يفضّل المساحات التي تحترم الذكاء، ويزدهر حين تكون السخرية أداة وعي لا وسيلة ترفيه. لذلك بدا غريبًا في زمن الاستهلاك السريع، لا لأنه فقد قيمته، بل لأنه رفض أن يُفرَّغ من معناه.

وسيعود الكاريكاتير، حين تعود الفكرة إلى مركز المشهد، وحين نحتاج إلى نقدٍ بصريّ يختصر ويُكثّف بدل أن يكرّر، وحين ندرك أن أخطر الفنون هو ذاك الذي يضحكك أولًا، ثم يتركك غير مطمئن. فالكاريكاتير لا يختفي؛ هو ينسحب حين لا يُحترم، وينتظر زمنًا يعرف أن خطًّا صادقًا، مرسومًا بوعي، قد يكون أعمق وأبقى من ألف كلمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.