: آخر تحديث

قانون العشرة تسعين في الحياة

4
5
5

مهم جدا ان نفهم العلاقة بيننا وبين الله، ذلك اننا امة العرب قد حبانا الله ان نكون موئلاً لأخر رسالة سماوية بعثها الله رحمة للعالمين. لكن المهم ان نفهم ابعاد ومحددات العلاقة مع الله من اجل بلوغ غايات عليا كان المفروض ان نبلغها، كنا قد بلغناها سابقا أيام كانت بغداد العظيمة حاضرة الدنيا ومركز العلم والثقافة والفن. لذلك يجب ان نفهم أسباب التراجع ونراجع انفسنا، ونسأل ماهو سبب هذا التراجع.

بادئاً ذي بدء يجب عليك أيها العربي ان تعلم ان الله خلق الكون والسحاب والرمال والأرض ثم استعمر فيها مخلوقات عدة اخرها كان الانسان، الذي وصفه بالظلوم الجهول في كتابه العزيز. ثم انه سبحانه ارسل ادم وحواء للأرض عقاباً لهم عن اكلهم من شجرة ما كان لهم ان يأكلان منها وكان امتحانا فشل فيه ابونا ادم عليه السلام ودفعنا نحن الثمن.

بغض النظر عن قصة الشجرة وتحليلاتها ومداركها واستنتاجاتنا منها، الا ان المهم ان نفهم هو ان مادمنا نعيش على الأرض فما هي الوسيلة الأمثل للعيش بسلام وامن ورخاء، وهل ممكن تحقيق ذلك؟

يحاول المتشددون وغيرهم من الإسلاميين المسير في طريقين، الأول اننا تراجعنا لان الأرض هي دار العذاب وان علينا ان نعاني، بل انني التقيت بأناس أصحاب شهادات علمية الا ان جل اهتمامهم هو الموت والاعداد له فتحول هؤلاء الى مومياءات تحتضر يوميا لدرجة ان تلك الأفكار جعلتهم غير مهتمين تماما في بناء حاضر مشرق لهم ولأبناءهم وتجد هكذا بشر هم اسوء الناس خُلقاً وتسامحا ذلك انه لايهمهم شيء في هذه الدنيا الفانية الا الاعداد للموت والذي حولهم الي خيالات مآتة جعلت منهم عبئاً على مجتمعاتهم وتجد هذه الحالة موجودة بكثرة في المجتمعات الفاشلة ولاداعي لأسمي الدول الفاشلة في عالمنا العربي والإسلامي فهي كثيرة.

اما التفسير الاخر فهو تدميري كالأول ومفاده ان الحاكم ظالم وسارق وان أي شيء يفعله الحاكم يصب في مصلحته الشخصية وان على المجتمع ان يرفض الحاكم ويسعى لتغييره مهما كلف الامر حتى لو كلف تدمير الدولة عن بكرة ابيها، وقد اعتمد هذا الفكر الخوارج بمجملهم فهم يتآمرون على دولهم دون النظر ان مايفعلون سيدمر دولهم ويدمر حاضرهم ومستقبل ابناءهم.

اما الواقع عزيز القاريء فهو ان الله خلقنا واستخلفنا على هذه الأرض والهمنا من خلال الرسائل الربانية المتمثلة بالكتب المقدسة بدئاً من صحف إبراهيم وانتهائاً بالقران العظيم ماهية العلاقة بيننا وبينه سبحانه، لانه أراد ان يفهمنا كيف من الممكن العيش في هذه الأرض بحيث نُديم علاقة معقولة متوازنة مع الله من جهة وفي نفس الوقت نكون ناجحين في حياتنا ومجتمعاتنا من جهة أخرى.

ان اهم شيء يجب ان يفهمه العرب هو ان الله له قانون في التعامل مع حوادث الدنيا مفاده ان كل ماتفعله من عبادات وطاعات لن يغير حالك الدنيوي الا بنسبة عشرة في المئة، مقارنة مع تسعين في المئة ستعتمد على مجهودك الخاص وليس على توفيق الله. ليس صعباً ان نستنبط هذه الحقيقة من مصدرين الأول هو الكتب السماوية والثاني هو دروس مستقاة من التأريخ الإنساني وسأسرد بعضا منها ليكتمل البحث بشكل علمي.

في كتاب الله يقول الله (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)، اذن الله لن يتدخل في معركة الحياة الا نادرا وترك الامر لنا نحن من خلال مجهوداتنا الذاتية، وقوله تعالى (خذوا حذركم)، وقوله (واعدوا لهم)، وقوله عليه الصلاة والسلام (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ماسقى الكافر منها شربة ماء)، أي ان الرزق يكون على قدر السعي وليس التديّن، خير مثال عن اهمية طلب العلم الدنيوي والاجتهاد في العمل. 

نجد إشارة في كتاب الله بنفس المعنى بقوله (كلنا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وماكان عطاء ربك محضوراً)، أي ان الله يرزق الكافر والمؤمن ولم يجعل الرزق محصوراً لدى المؤمنين، اذن لأنتفت الحاجة من الامتحان الدنيوي ولأستطاع الانسان ان يستنتج ان الرزق للمؤمنين فقط ولتحول الجميع الى مؤمنين، الا ان الله قال لموسى (ان الساعة اتيةٌ اكاد اخفيها لتُجزى كل نفس بما تسعى)، وهذا هو عين القصيد اذ ان الله جعل التنافس مفتوحا بين المؤمنين وغير المؤمنين لدرجة ان النصر سيكون لمن يتبع استراتيجيات وخطط دنيوية افضل من الاخر وليس لان الأول مع الله والأخر ضده.

لو درسنا انتصارات المسلمين عبر التأريخ سنجد انها كانت نتاجات جهد مضني من القادة والجنود لتحقيق النصر، الفكرة كانت بسيطة وهي اولاً جمع العرب تحت لواء دولة واحدة ثم الاعتماد على افضل القيادات العربية العسكرية وافضل القيادات الاقتصادية، ومنه ان الرسول استعمل خالد مباشرة بعد اسلامه بالرغم من ان الرسول كان يعلم ان خالد حديث عهد في الإسلام وانه لم يكن من اتقى الاتقياء ولكن الرسول كان يعلم ان الدنيا معركة علمية المنتصر فيها من يجتهد اكثر وليس من يتشدد في الدين اكثر كما يحاول المتشددون ان ينشروا بين الناس هذه الأيام. ونسمع مراراً وتكرارا أجوبة المشايخ عندما يُسئلون عن أسباب التراجع فالجواب الحاضر دائما هو "تراجعنا لأننا تركنا كتاب الله وراء ظهورنا"، طيب لماذا لم تتراجع الصين الكافرة او الغرب العلماني؟! سيقول الإسلاميون "نحن نختلف لأننا امة القران، فأذا لم نتبع الايات ونطبقها بحذافيرها انتقم الله منا"، لكن نسي هؤلاء او جهلوا ان دولة هارون الرشيد التي لم تبلغ علوها دولة في التأريخ كانت حداثية بمعنى انها أعطت نسبة العشرة تسعين حقها أي السعي نحو طلب العلم الدنيوي والتنظيم والتخطيط كان له تسعة اعشار المجهود وعُشر ترك للدعاء والصلاة وللعلاقة مع الله، ولم تكن دولة هارون الرشيد من اتقى الدول ومع ذلك كانت ارتقت اعلى المراتب الدنيوية وكانت منزلة الدين ومكانته محترمة الا ان منزلة المتشددين كانت في الحضيض. فدولة هارون الرشيد كانت دولة التسامح مع الافكار الاخرى وليس القتل والتنكيل، لكن هذا لايعني ان هارون الرشيد كان رشيدا مع من يريد قلب الحكم اذ كان يعتبر المتآمرين عليه خونة فأما القى بهم في السجن او اعدمهم، هذا في وقت كان هارون الرشيد يعتبر اكثر الناس رفقاً مقارنة مع اوربا التي كانت تعيش في الظلمات وتقطيع الرقاب والاعضاء وسفك الدماء.

نسبة العُشر هذه قد تتغير صعودا نحو عشرين بالمئة ولا اعتقد قد تبلغ اكثر من ذلك الا في حالات الرسل والانبياء والصادقين الذين لديهم كرامات معينة، الا ان مانجده هذه الأيام هو السعي الحثيث نحو بلوغ الدرجات العلى في التدين ونسيان السعي والاخذ بالاسباب حتى ترك الرجل دابته خارج المسجد بدون ان يعقلها فسابت ولما خرج لم يجدها فسأل (لماذا لم يحرسها الله؟)، والجواب قول الله في الانجيل (ان الرب لايُجرب)، وهذه من الحِكم التي يجب فهمها واستيعابها جيدا، او قول احدهم (ان فلان يصلي ويعبد الله لكنه أصيب بمرض فلماذا أصابه الله بهذا المرض)، والجواب هو قانون العشرة تسعين، أي لان الرجل الفلاني لم يأكل طعاما صحيا ولم يمارس الرياضة وكان قلقاً ويعيش حياة غير مريحة، ولذلك تجد معدلات عُمر الانسان في الدول الفاشلة التي لم تأخذ بأسباب العلم الدنيوي اقل منه في الدول التي تأخذ بأسباب العيش الرغيد كما هو الحال في الغرب.

قال لي احدهم (ان فلان كتب على مقدمة سيارته بسم الله الرحمن الرحيم، ومع ذلك انقلبت السيارة به ومات)، والجواب هو لان صاحبك لم يأخذ بالاسباب التي هي ان يسوق بتأني وبحذر، وربما الطريق كان خطرا فكان عليه ان يسلك طريقا اخر الخ من المسببات التي يربطها الناس بالله نتيجة الجهل في قانون العشرة تسعين.

لقد فهم أبو بكر الصديق هذا القانون واصر على استعمال خالد في الغزوات حتى بعد ان بلغه ان خالد اخطأ في مسائل معينة هنا او هناك لان أبو بكر كان يأخذ بالاسباب والعلم ويعلم ان مالايتم الواجب الا به فهو واجب، اما عُمر فكان يرى ان أبو عبيدة افضل ولذلك اقصى خالد في معركة اليرموك، وكان ذلك امراً خطيرا تداركه أبو عبيدة ورفض ان يكون هو القائد حتى تنتهي المعركة، فالمعركة كان يقودها خالد وهو الذي انتصر بقانون العشرة تسعين، أي انه لم يكن هناك حاجة لمتشدد لكي ينتصر بل لشخص عليم في الحرب كخالد. عُمر كان حكيما أيضا عندما رأى قوما في المسجد يصلّون اكثر مما يجب، فسألهم "ماتفعلون هنا وقت العمل، فأجاوبوه نحن المتوكلون على الله، فقال لهم بل انتم المتواكلون فالمتوكل من يلقي البذور في الحقل ثم يتوكل على الله".

نفس المبدأ نراه هذه الأيام اذ يُرجع الإسلاميين أسباب الخسارة ان الرجال غير ملتحين وان النساء غير محجبات، بل وصل الامر ان المرء يحّجب زوجته ثم ان استمر حاله بالسوء نقبّها ثم ان استمر السوء البسها جادرا من اعلاها وحتى اخمص رجلها، ضنا منه ان ذلك سبب الفرج، لانه لم يفهم قانون العشرة تسعين الذي مفاده ان صاحبنا عليه ان يتعلم كيف يكون افضل في مقارعة الحياة من خلال طلب العلم التجاري والاقتصادي وليس التمادي والتشدد كما يحصل الان.

لو كان الامر كما هو الحال في القصة الأخيرة فأن افضل الأمم ستكون اليمن والصومال لانهم يصلون الف صلاة كل يوم وليلة ونساءهم يلبسون النقاب، ولكن نسي هؤلاء العلم ولذلك تراجعوا وغلبهم أناس لايؤمنون بالله اصلاً. وخلاصة القول انك تنتصر بسعيك الدنيوي وان الصلاة والدعاء سيقدمان الاسناد بنسبة عشرة بالمئة ليس اكثر، والشواهد تؤكد ان الصلاة هي شُكر لله وتأدب معه وادامة لعلاقة مع الله وادخار ليوم الحساب، اما فعاليتها في الدنيا فهي محدودة جدا ذلك ان الله يريدنا ان نسعى ونكون مرنين في رؤيتنا ولذلك جعل قانون الاجتهاد في الرأي، والتزام وتقرير الضرورات عند الحاجة، وكل ذلك لايشتريه الإسلاميون بفلس، لان قانونهم هو بالمقلوب اي التسعين عشرة، بمعنى انهم يرون ان عليهم ان يصلون الف صلاة في اليوم ويصومون غالب أيام السنة، اما مجهودهم الدنيوي فهو قليل جدا بمعنى انه لايتجاوز نسبة العشرة بالمئة، وهذا عكس مايجب ان يكون، فعلينا ان لانغلو في ديننا كما امرنا الله في كتابه العزيز وعلينا ان نركز على طلب العلم الدنيوي في السياسية والاقتصاد والصناعة ومختلف العلوم لان فيه الرفعة في الدنيا وليس من خلال التشدد.

نفس الامر ينطبق في الغنى والفقر فالغني شخص عمل بجد واخذ بالاسباب بنسبة تسعين في المئة وادام علاقة جيدة بدون تشدد بل بأعتدال مع الله بنسبة عشرة في المئة، اما الفقير فهو شخص قليل التنظيم كان عليه ان يأخذ بالاسباب بنسبة تسعين في المئة بدل ان يندب حظه العاثر! 

نفس الامر ينطبق على من يُرجع أسباب التراجع الى المؤمرات الخارجية وينسى ان العلم وصل الى مرحلة متطورة لدرجة انه تغلغل في كل المجالات ومنها السياسية، فاليمن مثلا كان يحكمها دكتاتور لكن المشكلة ليس تلك فحسب، فالصين تعتبر دكتاتورية لكن ذلك لم يمنعها من التقدم، كما ان الديمقراطية وحدها ليست كفيلا بدفع عجلة التنمية ونستطيع ان نضرب امثلة مثل الهند التي يقبع ثمانين بالمئة من شعبها تحت مستوى خط الفقر، بالرغم من كونها ديمقراطية.

مايهمنا هنا اننا كنا امة تأخذ بالاسباب افرادا وجماعات لذلك كنا سادة العالم، الا اننا اصبحنا متواكلين على الله بدل ان نكون متوكلين عليه سبحانه افرادا وجماعات وبدل ان نبذل الغالي والنفيس لنتقدم اصبحنا نبرر تراجعنا بطرق سخيفة وغير واقعية افرادا وجماعات


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي