: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

ترجمة "أصول التأويلية" حدث في حقل الثقافة الفلسفية العربية

8
10
8

إيلاف: تأتي ترجمة كتاب ج. غوسدورف "أصول التأويلية" التي قام بها الباحث والأكاديمي التونسي فتحي إنقزو، لتمثّل حدثًا في حقل الثقافة الفلسفية العربية. 

فوفقًا للدكتور محمد أو هاشم محجوب في تقدمته للترجمة يعد غوسدورف من أهمّ الجامعيين الفرنسيين العارفين بتاريخ الفلسفة الغربية، ولاسيّما الألمانية الحديثة والمعاصرة. 

يؤكد أن المسألة التأويلية قد ترسّخت اليوم مطلبًا فلسفيًا في ثقافتنا؛ حيث أضحى من أكثر المهمات المطروحة على المهتمّين بالشأن التأويلي أن يخلقوا السياق الملائم لذلك، وهو سياق مضاعف قوامه، من جهةٍ، التعريفُ تعريفًا متواترًا ومتجدّدًا بتاريخ التأويلية، نشأتِها وتطوّرِها وتلاحقِ مدارسها وتقاطعاتِها، ما يوفّر مادّة معرفية هي اليوم مطلوبة ومتوقّعة؛ وقوامه، من جهةٍ ثانية، مراكمة الدراسات النظرية التأويلية، ومراكمة المقاربات التأويلية لنصوصنا الروحية أدبيها وفنيها، قدسيِّها ومُباحِها، في آنٍ معًا، تشوّفًا نحو أن يكون إدراج خصوصيّة نصوصنا تلك، وظرفيةُ وضعيتنا الهرمينوطيقية (التي كان بول ريكور نعتها بالتّراجيدية) ضمن "كلّية الهرمينوطيقا"، مدخلًا إلى إعادة مساءلة افتراضاتها ومناهجها، ومدخلًا إلى مساءلة إشكالية المعنى في علاقته بالرمز، وإلى مساءلة إمكان إقامة للعقل في عمر تأويلي لم يمرّ بالضرورة بمراحل العمر نفسها قبل التأويلية التي مرّت بها الهرمينوطيقا الفلسفية، التي لعلّها اليوم لم تعد تنتسب إلى الفلسفة بقدر ما تنتسبُ إليها الفلسفة وتتماهى وفقها.
 
ينقسم الكتاب الصادر من مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" إلى مقدمة وثلاثة أبواب، الأول الأصول، ويأتي في سبعة فصول: العصر الذّهبي للتأويلية الإسكندريّة، ظهور التأويلية اليهودية المسيحية، التأويليّة المسيحيّة البطركيّة، الشّرح الوسيط، الفيلولوجيا الكلاسيكية والفيلولوجيا المقدسة في عصر النهضة، التأويلية الكتابية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، من الشّرح إلى التأويلية. 

الباب الثاني: التأويلية الرومنطيقيّة وجاء في خمسة فصول: العلم الرّومنطيقي والجامعات، قراءة النصوص، التّأويل، الفهم، تحقيق المعنى، تأويليّة شلايرماخر. الباب الثالث: المنوال البيولوجي في العلوم الإنسانية وجاء في فصلين: مقولة الحياة في العلوم الإنسانية، التأويليّة العضوانيّة.

الكشف عن المعنى
وقال د.محجوب في مقدمته للكتاب إن نصّ غوسدورف "أصول التأويلية" ليس فحسب واحدًا من النصوص الكثيرة التي تحكي فترات "عمر العقل التأويلي"، على حدّ عبارة الهرمينوطيقي الكبير جان غرايش، بل هو استعادةٌ موجَّهةٌ للأصول في نوع من القصّ الذّاتي المفضي إلى اضطلاع العقل بنفسه واعترافه بإيّائيته التي له؛ إنه، في تبدّلاته الكثيرة، وفي تغيرات السؤال المطروح عليه، يظلّ هو إيّاه. هي استعادةٌ موجَّهةٌ؛ لأنّ غوسدورف يدافع عن أطروحةٍ في تكوُّن العقل الهرمينوطيقي، ويستبعد، في مقابل ذلك، أطروحة قامت عليها غالبية سرديّات العقل الهرمينوطيقي إلى اليوم. 

وأضاف "الأطروحة الرّائجةُ، اليوم، في غير نصّ من نصوص إعادة استشكال تاريخ التأويلية، تسارع إلى طرح "هاجس الكشف عن المعنى" هاجسًا مؤسّسًا للتأويلية، وتبحث عن هذا الكشف في ثنايا العلاقة بين "الوحي" بما هو رسالة، وبين التلقّي بما هو "فهم" تحجبه طبقات  المجاز وبلاغات الاستعارة التي قد لا تأبه بنصيّة النص ما دامت رمزيتُه، لا ماديتُه، هي التي تعطي معناه. إنّ التّأويلية، وفق هذا التّصور، إنما تدين بمأتاها لتقلّبات العلاقة بين المعنى الظّاهر والمعنى الباطن، ضمن أعمال التفسير والشرح. 

وأوضح أن ثمة في عنوان كتاب غوسدورف، وفي رؤيته الأساسية، مراهنةٌ نكاد لا نفطن لها: إنّ الأمر لا يتعلّق بتاريخ التّأويلية، وإنما بتعيين أصولها التي تلتقي - لا محالة - مع التاريخ، ولكنّها لا تلتقي معه إلا لتعيّن المأتى، والمأتى عند غوسدورف هو أولًا تكوّن النص، قبل مفهومه، ممارسة تمتد إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وتتعضّد بعد ذلك مع تأسيس مكتبة الإسكندرية معلَمًا يوحِّد، بعد نحو ستة قرون، جهود "المعالجة النقدية والمادية" للنصوص من خلال توفير شرطها الأول: جمعها في فضاء واحد. 

لافهم التدوين
ستكون مكتبة الإسكندرية هي الفضاء الثقافي الذي يرجع إليه تكوّن "المجال الإبستمولوجي الذي يستجيب للهرمينوطيقا الحديثة". إنّ مجال النص، ضمن سياقه المكتبي [مكتبة الإسكندرية]، هو الذي سيعطي جيلًا من الرجال لن يكون عليهم أن يبدعوا ويكتبوا بقدر ما سيكون عليهم أن يرتبوا وينظموا ويصنفوا: "عبادة الكتاب هي رفيقنا منذ المولد. وإنّ متحف الإسكندريّة هو الذي تأتّى لنا منه هذا التّوقير للتّراث المكتوب، الذي وطّنه للمرّة الأولى متأدّبون على أيديهم نشأت في الغرب موهبة العمل الفيلولوجي والنّقدي".
 
وأشار إلى أن أصل التأويلية، إذًا، هو اللافهم الحاصل من تدوين النص؛ أي من فقده حياتَه، ومن فقده قدرتَه الآنية، خلال تلك الحياة، على أن يجيب عن كلّ أسئلة المعنى التي تُطرح عليه، ومن استبداله تلك القدرة الحينية بضرب من الاستغلاق ومن "الحجاب المعتم لكلّ الدّلالات". لذلك تقوم الفيلولوجيا على أولوية النص شرطًا لكلّ "إعادة تحيين للمعنى". ولذلك، خاصّةً، هي تجعل مهمّتها الأولى صناعة النص: ضدّ التقادم الذي يعجمه، وضدّ الغُبور الذي يغلقه على كلّ فهم، تعمل الفيلولوجيا على ما سيسميه غوسدورف "ترميم الدلالات"، أو "إعادة تحيين الدلالة" تذكيرًا - أو يكاد - بعبارة ريكور "ترميم المعنى" التي يستعملها في تحديد معاني التّأويل ضمن كتابه عن التّأويل (محاولة عن فرويد) الذي يجادل فيه فرويد. 

تحرير الرّوح المتخفي
"وإنما في هذا الوضع افتتح علماء الإسكندريّة المشروع الكبير للفيلولوجيا بوصفها إعادة تحيين للمعنى. إنّ الأمر لا يتعلّق فحسب بأن نضبط، بفضل نقدٍ حصيفٍ، نصًّا لا يطرأ عليه التّغيير، إنّما ينبغي أن يُيسَّر للقارئ الإقبال على هذا النصّ، باستعادة السّياق المنسي، والمعطيات التاريخيّة والمعجميّة والنحويّة. عملٌ هائلٌ لا يُرجى منه مجدٌ، مادام يتمثّل في أن يهب المرء حياته لخدمة الغير، بفضل مقتضى محايد هو الوفاء للضّبط الفيلولوجي فقط. إلى هذا الحدّ، إنّ شيوخ الثّقافة قد بحثوا عن المجد في التّفتّق الحرّ لما لهم من عبقريّةٍ. إنّ عمل الفيلولوجيين إنّما ينصبّ على أعمال الآخرين، لفائدة المتأدّبين في الحاضر والمستقبل. وهم يبذلون أنفسهم لحفظ صحّة مصنّفات الشّيوخ، وقد جعلوا أنفسهم خدمًا لها بمحض إرادتهم. إنهم نمطٌ جديدٌ من النّاس المتفرّغين لمهمّةٍ جديدةٍ. ففي الإسكندرية  تكوّن نموذج المكتبيّ بما له من الخصوصيّة؛ النّقيب المُحصّل، الفيلولوجي الجامعي، جميعهم منكبّون على تحرير الرّوح المتخفي في ثنايا الحرف".

يلفت د.محجوب "ليس السّفسطائي، على الرغم من مبالاته القصوى بالكلمات والمعرفة، أصلًا للفيلولوجيا.. إنما أصلها في تواضع تحصيل القائمين على المكتبة، الحافظين أوراقَها؛ ثمة في علاقتهم بالكتب ضربٌ من الحرص على ألا يفيض عن دفّتيها ما استودعه فيها كتابها.. لا يتعلّق الأمر عندهم بتأويل المعنى، وإنما بانبعاثه من جديد، وانبعاثه يقتضي آداب حفظ ومحافظة. ولكن ترسخ التأويلية ضمن هذه القاعدة الفيلولوجية، التي كرّست أولوية النص، ونافحت عن ذاتيته ضدّ كلّ تلاعب، لم يمنع من تدخّل التقليد التأويلي الباحث عمّا وراء العبارة الصريحة: في المجاز، وفي الاستعارة، والإشارة، والتلميح، والإلماع؛ كلّ ذلك من خلال تدخّل التقليد الشرقي المسيحي الذي أعلن عن ولادة ذهنيّة تميل إلى التقريب، وإلى اعتماد العلامات من خلال النموذج الفلكي البيولوجي، الذي تحالف مع ما كان وافدًا إن لم يكن مستقرًا من الأساطير الشرقية القديمة التي مزجت أحكام النجوم بقواعد الفيزياء والفلك".
 
تحدٍّ للمعقوليّة الأولى
وقال "هكذا ترافق تدمير صروح المعرفة والتحصيل القديمة مع قيام عقلية جديدة هي عقلية إعادة اكتشاف الحقيقة التي استغلقت على الناس؛ إعادة اكتشافها من خلال علاماتها، ومن خلال إعادة قراءة لا يُبلَّغها إلا المصطفوْن: "إنّ الإله هرمس، الذي أُوكِلَت إليه مهمّة التّواصل بين الكائنات الإلهيّة والناس، ليس مجرّد متحدّث، حاملًا بلاغًا هو غريب عنه؛ فالظاهر أنّه يضع حائلًا في الصلة التي هي موكولة إليه؛ وحتى يبلغ منقلبًا من النقيض إلى النقيض، فإنّ الوسيط يقطع حبل المعقولية، ويصبح شيخًا للمذهب الباطني، للمعرفة المؤجلة، المرفوضة أو الممتنعة. إنّ صورة هرمس المثلث بالعظمة تهيمن على العصر الجديد للمعرفة. فغرض صفاء المعنى يقابله الإغماض. والبداهة ليست معطاةً في البدء بلا أيّ مقابل، أو بالأحرى، إن كان لها أن تُعطى، فإنّها ستضيع بعد ذلك بخطأ من المتلقّين، عن غفلة منهم ومعصية. إنّ الحقيقة المحتجبة ينبغي لها أن تُستكشف بفعل رياضة طويلة وشاقة. وسوف تكون الإسكندرية واحدةً من معاقل العرفان، نقلةً صوفية لطرائق المعرفة، وقد انقلبت إلى سلوك. إنّ تعليم العرفان هو تحدٍّ للمعقوليّة الأولى؛ وهو يحيل على قراءة ثانية أو ثالثة هي من شأن الأصفياء. أمّا البلاغ فلا يقول ما يقول؛ والمعنى الحقيقي يغوص في لعبة مرايا ومدارات تنفذ إلى غيابات اللاعلم الإلهي".  

هكذا يلتحق غوسدورف بالأصل الثاني للتأويلية؛ قراءة ما لا يظهر، تأويل ما خفي وكان باطنًاً. وهكذا يجمع بين الأصل الفيلولوجي للتأويلية؛ حيث المعنى ملتبسٌ بالنصّ متشبّث به، وبين الأصل التفسيري لها، حيث المعنى خارج النص، خارج التصريح به، خارج الارتباط الضيّق بينه وبين الحرف. ولكن ثنائية الأصل الفيلولوجي والتأويلي للهرمينوطيقا ستظلّ ملازمةً لتاريخها الذي يحرّره غوسدورف بين مولدها الإسكندراني واكتمالها الرومنطيقي، مراوحة منتظمة أو تكاد. هكذا مثلًا لن يقوم الإصلاح الديني، الذي جدّد مع لوثر قراءة النص المقدس، إلا وقد سبقته حركة النقد الفيلولوجية لعصر الإحياء، وهي الحركة التي كان فصّل القول فيها دارسون عديدون (راجع مثلًا الكتاب القيم الذي وضعه جان جيهاس بعنوان "حركة إحياء النقد". هكذا، مثلًا، راوحت التأويلية الرومنطيقية الألمانية بين منزعيها الفيلولوجي والتأويلي، وقامت تأويلية شلايرماخر من عين عمله الفيلولوجي... إلخ. 

حضارة متوقفة
يشيد محجوب بالمترجم "يأخذنا فتحي إنقزّو بترجمته الجميلة هذه، راكبًا أعظم مخاطر الترجمة: استنباتها مصطلحًا مفقودًا على قدر حاجة العربية إليه. لا شكّ في أنّ تقاليد التأويلية القديمة سابقة في العربية ومرسّخة فيها، ولكنّ تلك التقاليد الغارقة في ضرب من الموضوعية الدلالية، ومن سياقية الفهم، إحالةً على الحقيقة كحلٍّ لكلّ التباس، لا يمكنها من دون جهد جهيد أن تستقبل إشكاليات الفيلولوجيا التي نعرف ما قوبلت به لدى أوّل مجهودات التحقق من النص الشعري القديم (طه حسين، في الشعر الجاهلي مثلًا)، ولا إشكاليات ترنسندنتالية الفهم خارج حدود التوافق والمطابقة بين الذهن والأشياء؛ إذ تعبّر، في كلّ مرة، عن الحاجة إلى ضمان متعالٍ لا تعالوي [= ترنسندنتالي]؛ كيف يمكننا أن نتحدّث بالعربية عن تاريخ هرمينوطيقي من دون أن يبدو حديثنا كما لو كان تصاديًا لألفاظ وصور صوتية لا علاقة لها بالعربية؟. كيف يمكن أن نمهّد للتفكير التأويلي ضمن حضارة توقّفت بعيدًا عنه، دونه، ولم تواصل مسيرتها الطبيعية، أعني التاريخية، نحوه؟. كيف يمكنها أن تُستأنف لا من نقطة الانقطاع - ولكن من دون غضّ الطرف عنها - أن تُستأنف من نقطة المواصلة لتراثٍ باتَ اليوم إنسانيًا، كليًا، كونيًا؟.. تلك هي الإشكاليّة التي واجهها في كلّ صفحة؛ بل في كلّ فقرة، فتحي إنقزو؛ كان مضطرًا إلى أن ينظر إلى الجهتين معًا.. في مراوحة حينًا ومزامنة حينًا آخر.. وحوَلًا في كلّ حين... 

يذكر أن جورج غوسدورف (1912-2000): فيلسوف وإبستمولوجي فرنسي. كان تلميذ غاستون باشلار في دار المعلمين العليا في باريس. عمل مدرسًا للفلسفة في جامعة ستراسبورغ بفرنسا، وفي جامعة تكساس الأميركية في هيوستن، وفي مدرسة الدراسات العليا في مونتريال في كندا. من مؤلفاته المعروفة: (اكتشاف الذات) (1948)، (الثورة الغاليلية) (1969)، (مدخل إلى العلوم الإنسانية) (1974)، (أسس المعرفة الرومنطيقية) (1982). 
 


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات