: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

تاريخ التلوث... كيف تطور حتى واكب العولمة؟

22
27
22

تفتقر المكتبة العالمية إلى كتب تروي تاريخ التلوث في الكرة الأرضيّة، وهو نقص أراد اثنان من الباحثين سدّه، من خلال نشر كتاب مشترك يحمل عنوان "إفساد العالم: تاريخ التلوث في العصر الصناعي". 

إيلاف: الباحثان هما فرانسوا جاريج وتوماس لو رو، ويقع كتابهما في حوالى 480 صفحة، ويغطي الفترة الممتدة بين القرن السابع عشر وعام 1973، وضعا فيه خلاصة الأبحاث التي أجرياها، ودرسا فيها العلاقة بين المجتمعات الإنسانية والطبيعة والنشاطات البشرية ونتائجها السلبية على البيئة المحيطة.

ارتفاع درجات الحرارة
غير أن أهم ما يتضمنه الكتاب هو إيضاح تاريخ التغيرات السياسية والاجتماعية وحتى القانونية والتشريعية التي رافقت ظهور وتنامي ظاهرة التلوث، ثم عولمة هذه الظاهرة مثل أي سلعة أخرى في العالم.

انتشار التلوث في العالم لم يكن حتميًا بل كان بالإمكان تجنبه

الخلاصة التي يتوصل إليها الباحثان هي أن التلوث وانتشاره في العالم لم يكن حتميًا، بل كان بالإمكان تجنبه، وقد نجحا في تغطية كل القارات في هذا المجال من وجهة نظر علمية وتاريخية، ولَم يقصرا بحثهما على منطقة بعينها، مثل فرنسا أو أوروبا الغربية، بل نظرا في مسألة ارتفاع درجات الحرارة في الكرة الأرضيّة على سبيل المثال، وربطا الأمر بمفهوم العولمة، من خلال التنبيه إلى الديناميات التاريخية على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية في الوقت نفسه.
 
يلاحظ الكاتبان أن التلوث الذي بدأ مع بداية الثورة الصناعية، مثل التلوث الصوتي، على سبيل المثال لا الحصر، كان تلوثًا محليًا في البداية، ثم ما لبث أن تحوّل إلى ظاهرة أوسع، حيث راحت الأصوات تغطي مساحات تقاس بالكيلومترات، قبل أن تنتقل إلى مستوى عالمي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

انهيار نظم وانقراض كائنات
بالطبع رافق كل أنواع التلوث التي أنتجتها الثورة الصناعية انهيار نظم بيئية وانقراض أنواع حيوانية ونباتية، إضافة إلى ما شكلته من مخاطر على الصحة العامة.

يروي الكاتبان تاريخ التلوث بتسلسل تاريخي مثير للاهتمام، ويشرحان في معرض ذلك مواقف المجتمعات ورجال السياسة والمسؤولين الصناعيين، إضافة إلى مواقف العلماء والمتخصصين أنفسهم، والذين رأى الكاتبان أنهم ساهموا بشكل أو بآخر في حماية مسببي التلوث، ولا يزالون حتى يومنا هذا.

يضم الكتاب الكثير من الشروحات والتعريفات والخرائط ورسومات إيضاحية، وهو يشرح أنواع التلوث منذ بداياته، ويشرح أسبابه مثل تطوير الأدوات الزراعية ووسائل النقل وتوسيع إنتاج السلع الاستهلاكية، كما يتطرق إلى أسباب أخرى تتعلق بالسياسات والحروب والتحركات العسكرية وغيرها.

مفهوم المصلحة العامة
قسم الباحثان الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وخصصا الجزء الأول لشرح معنى التلوث وتغير تعريفاته وفقًا لتغير العصور ووفقًا لتطور النظم الاقتصادية والسياسية السائدة في كل فترة من الفترات التي يغطيها الكتاب.
 
ويلاحظ الكاتبان أن التشريعات الخاصة بالتلوث وتوصيف النشاطات المسببة له تعتمد على مفهوم المصلحة العامة. ولكن هذا المفهوم تغير بمرور الزمن أيضًا، حيث مرت فترات كان يُنظر فيها إلى حماية الصحة وحق الاستمتاع بطبيعة المنطقة التي يسكن فيها المرء على أنها أمور ثانوية مقارنة بأهمية تعزيز الثروات الوطنية واحترام ملكية الشركات الصناعية الكبرى الخاصة.

أحد الأمثلة على ذلك قانون أثار الكثير من الجدل، تم تشريعه في عام 1810 في فرنسا، سمح بإنشاء معامل تنتج مواد سامة قرب مناطق سكنية، مثل معمل الغاز في بونيتا في باريس، الذي تم إنشاؤه في عام 1817. ويشير الكاتبان هنا إلى أن علماء، لا سيما في مجال علوم الكيمياء، أدّوا دورًا مهمًا في سنّ هذا القانون، من خلال إعادة توصيف الأخطار والحدود بين الصالح والطالح والمضر والنافع، مع التقليل من شأن الجوانب السلبية على الصحة والطبيعة.

ضريبة علمية
في الجزء الثاني من الكتاب ينظر الباحثان في الفترة الممتدة بين 1830 و1904، ويركزان على دور العلماء والمتخصصين الذين كانوا ينشرون بحوثًا تريد التأكيد على أن التلوث أمر طبيعي وحتمي، وأنه ليس من نتاج النشاطات الصناعية المختلفة، حتى لو أنه كان كذلك، فهو مثل ضريبة يجب دفعها مقابل ما يحقق العلم من تقدم.

يظهر الأمر واضحًا من خلال التعامل مع الرصاص الأبيض المستخدم بشكل متزايد في الصناعة خلال القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. 

ومن المعروف أن أطباء ومستشفيات أصرّوا في ذلك الوقت على خطورة هذه المواد، ولكن أطباء ومتخصصينن آخرين أعضاء في لجان رسمية وحكومية مكلفة النظر في هذه المخاطر ضيّعوا المشكلة، وقللوا من شأن المخاوف الصحية، مع التأكيد على أهمية دفع عجلة التقدم والتطور العلمي إلى الأمام وعلى ضرورة تطوير الصناعات ودعمها، كي تتمكن من التنافس عالميًا، ثم على ضرورة زيادة مدخولات الخزينة المركزية. 

مع ذلك يشير الباحثان إلى أن فئة أخرى من العلماء والمتخصصين راحوا ينظرون في إمكانية التخلص من المشاكل والمخاطر من خلال تطوير تقنيات خاصة.

الثورة الثالثة
ويخصص الكاتبان الجزء الثالث من كتابهما للقرن العشرين، الذي تميّز بارتفاع مستويات التلوث، بسبب الحروب، ثم بسبب العولمة وتزايد المنتجات الصناعية وتنوع أشكالها بطريقة غير مسبوقة على الإطلاق. ويرى الكاتبان أن القرن العشرين شهد انتشار السموم في مختلف أنحاء الكرة الأرضيّة، رغم ظهور تحركات معارضة، وتصاعد رفض عام لهذه الظاهرة، ويشمل ذلك وضع تشريعات دولية في إطار المنظمة الدولية ووكالاتها المتخصصة. غير أن كل ذلك لم يحقق الكثير لوقف انتشار التلوث والسموم. 

ويلاحظ الكاتبان أن حالة الرفض والاحتجاج كانت قوية حتى ستينات القرن الماضي، ثم ما لبثت أن تراجعت وانحسرت في نهاية ذلك العقد، وربما هذا هو ما دعا الكاتبين إلى إنهاء بحثهما عند العام 1973، مع الإشارة إلى ولادة ثورة ثالثة هي ثورة التكنولوجيا التي جاءت مختلفة عن الثورات التي سبقتها.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات