: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

أطفال القرن أوثان لليبرالية... التطرف والشعبوية انعكاسان للخواء

34
27
22

يناقش كتابان موضوع الليبرالية في مواجهة اليمين المتطرف، الذي يقدم نفسه معسكرًا ممثلًا للشباب، ويستنتجان أن الشعبوية والتطرف الإسلامي ليسا إلا ردود فعل على ثقافة العدمية والخواء التي يعيشها الشباب تعليميًا ومهنيًا.

إيلاف: يشجب مثقفون فرنسيون أكثر فأكثر ما يسمّونها "أزمة الليبرالية"، ويقفون مع آراء اليمين المتطرف في مهاجمتها. من هؤلاء آلان فينكيلكراوت وإريك زيمور وميشيل ويليبك وإليزابيث ليفي وجان كلود ميشيل وغيرهم.  

نظرة مستقبلية
كان العديد منهم محسوبًا على اليسار، لكنهم جميعًا يجدون موقعهم الآن في معسكر اليمين، الذي يصوّر نفسه "معسكر الشباب والدينامية". 

أطفال القرن الجدد

من أبرز الكتب التي تتناول هذه الظاهرة كتاب ألكسندر ديفيكيو "أطفال القرن الجدد" The New Children of the Century. يغطّي الكاتب الصحافي لوسائل إعلام فرنسية محافظة تطورات اجتماعية، مثل الإسلام السياسي، والتطرف بين الشباب الفرنسي.  

يجاهر ديفيكو بتعاطفه مع الجيل الجديد من الناشطين والمفكرين اليمينيين، الذين لا يعتقد أن هناك الكثير مما يشتركون فيه مع الجيل الأقدم لليمين الفرنسي الممثل في الجبهة الوطنية بزعامة لوبان. وبحسب ديفيكو فإن ناخبي اليمين المتطرف لم يعودوا بالضرورة رجعيين يحنّون إلى الماضي الكولونيالي، بل يتطلعون بتفاؤل إلى المستقبل.  

انهيار القيم
الكتاب الآخر الذي يتناول الظاهرة نفسها هو "غسق الأوثان التقدمية" Twilight of the Progressive Idols لأستاذة الفلسفة بيرينيس ليفيت، التي لا تتبرأ من أصولها اليسارية، لكنها تنتقد المقاربات الليبرالية للثقافة والتعليم، التي تدفعها إلى اعتماد منظورات يمينية.  

ما يقوله الكتابان من حيث الأساس شيئين، الأول أن الشعبوية الغربية والتطرف الإسلامي هما ردود فعل على ثقافة العدمية والخواء التي يعيشها الشباب في المدرسة والحياة المهنية، وأن المتعاطفين مع اليمين المتطرف الجديد والإسلاميين الشباب يردون على أزمة وجودية واحدة في المجتمعات الغربية ما بعد الصناعية. وثانيًا، أن العدو المعلن لناخبي اليمين المتطرف والإسلاميين هم الليبراليون الكوزموبوليتانيون الذين جنوا منافع من الانتعاش الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، لكنهم تركوا للجيل الذي جاء بعدهم صحراء ثقافية انهارت فيها كل القيم.  

بنظر الكاتبين، فإن هذه الليبرالية بنت فرنسا ذات ثقافة تسامح مزيفة، محركها التوبة والمظلومية وانعدام الحماسة العدمي للمستقبل.  تتهم ليفيت هذا الجيل من الليبراليين بأنه غير ناضج، وعمومًا عاجز عن مواجهة المعضلات الاجتماعية، ويبتعد عن قضايا الهوية لمصلحة الحديث الفارغ عن العلمانية.  

عدمية نسبية غير أصيلة 
من هذا المنظور فإن هؤلاء الليبراليين هم حفّارو قبر ثقافتهم نفسها، وإن الشباب الفرنسيين ذوي الأصول العربية لا يجدون صعوبة في دفن جثة فرنسا المحتضرة هذه.  

الكاتبان ينتقدان ما يصفانه بأنه ثقافة عدمية تقول بالنسبية، لكنها تفتقر إلى الأصالة والفعل والحيوية. وهما يعارضان الثقافة الغربية المعولَمة بلا جذور ولا هوية، بل تحددها معاداة مبالغ بها للسلطوية وهوس بالصوابية السياسية، والبيروقراطية. يُثار هنا السؤال عن سبب انطلاق مثل هذا النقد للييبرالية من اليمين تحديدًا. 

يقول الفيلسوف الألماني المتخصص في الفلسفة الجمالية والفكرية توريستن بوتس بورنشتاين في مجلة برلين ريفيو أوف بوكسان إن السبب هو أن الجذور والهوية والتاريخ لم تكن ذات يوم من الموضوعات ذات الاهتمام بين اليساريين الذين يفضلون الحديث عن الانفتاح وحقوق الإنسان والتسامح.  

تحطيم التقدمية

غسق الأوثان التقدمية

ويرى ديفيكو وليفيت وأمثالهما من كتّاب اليمين اليوم أن سياسة اليسار أدت إلى تفكيك أساس البلد الثقافي، وهو تفكيك يصبح مؤثرًا بصفة خاصة حين تتعرّض بلدان غربية للضغط من الهجرة. كما يرى هؤلاء أن 40 عامًا من الثقافة الليبرالية والتربية الليبرالية والسياسة الليبرالية أحدثت فقرًا روحيًا وفكريًا ولغويًا جرى تمويهه باستمرار على أنه "ثقافة تقدمية". وليفيت تريد تحطيم الأوثان التقدمية.  

يعرب بورنشتاين عن شكه في أن ينقذ اليمينيون الشباب الجدد بلدانهم بهذا العداء المهووس لليبرالية. وهو يدعوهم إلى العيش في الشرق الأوسط، حيث سيجدون الزعماء السلطويين والدين والهوية والتقليد والقواعد والقيم. مع ذلك تتطلع شعوب المنطقة إلى ثقافة ليبرالية، كما يقول.  

ضد الرأسمالية
خلال الربيع العربي أسقطت هذه الشعوب أنظمة غير ليبرالية. وفي روسيا وتركيا والصين هناك تطلعات مماثلة بين سكان المدن.  فهل هؤلاء كلهم ليبراليون كوزموبوليتانيون؟.  

يكتب بورنشتاين قائلًا إن مشكلة الكتابين هي التبسيط. ومثل هذا التبسيط شائع في أوساط اليمين. فالمشاكل التي لا تستطيع فلسفة اليمين حلها تعلقها على مشجب الليبراليين التقدميين، وإن حركة اليمين الجديد تنطلق من موقع الضعف والشعور بعدم الأمان، ومن هنا أمْثَلَة سياسات اليمين وشيطنة سياسات الليبرالية في كل شيء.  

وبدلًا من العداء الأعمى لليبرالية يجب أن تتخذ هذه الحركة موقفًا بناءً، وتناضل ضد ما سمّاها المفكر الاجتماعي جيل ليبوفيتسكي "الرأسمالية المتعية". فهذا ما يجب الوقوف ضده، ومن المؤكد أن الحل ليس بالعودة إلى "رأسمالية سلطوية".  


 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات