: آخر تحديث
هاشتاك الناس

قنافذ رقمية

24
24
11
مواضيع ذات صلة

مرحبًا بكم في عصر النرجسية الرقمية، عالم من فرص التباهي التي لا نهاية لها وإمكانيات المفاخرة غير المحدودة. حيث لم يكن الرياء أسهل من أي وقت مضى، ومن المفارقات أنه يتم الاحتفال به بشكل أكبر.

سأقول كلاما بمنطق العلم ونتائج البحوث، بأن النرجسية الرقمية بدأت بالارتفاع بين الجيل الجديد، مثلما ترسخت بقوة أيضا بين الجيل القديم، خاصة بين النخب الثقافية والعلمية حتى صارت مظهرا من مظاهر داء العظمة أو إثبات الوجود، وتنفيساً نفسياً لا خراج نفايات الواقع وأمراض التنشئة الاجتماعية. وغالبًا ما يتم استخدام النرجسية كمصطلح جامع لوصف الأشخاص الذين يعانون من سمات القلق أو اضطراب الشخصية النرجسية.

اليوم تنتشر صور الأشخاص في مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة مثيرة وكأنه سباق لربح المليون دولار أو مسابقة في مهرجان عرض الأزياء، أو البحث عن أمرأه العمر. مفارقات مضحكة لمتسابقين للفوز بالإعجاب الكاذب لأن وسائل التواصل الاجتماعي نقلتنا إلى مناطق مجهولة من التملق الأناني من خلال تمكين الجميع من بث حياتهم وصورهم طوال أيام الأسبوع: أصبح المستهلكون ممثلين ومنتجات قابلة للاستهلاك في وقت واحد.

ليس من المستغرب أن ترتفع مستويات النرجسية منذ عقود حيث تعود هذه الزيادات إلى ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تفاقمت بشكل واضح منذ ظهورها. في الوقت نفسه، كان هناك انخفاض حاد في مستويات الإيثار والتعاطف منذ ظهور الفيسبوك والتويتر. نحن الآن أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بالعالم الرقمي، ولكننا أيضًا أقل اهتمامًا بالآخرين، إلا عندما يتعلق الأمر بمعرفة ما يفكرون فيه عنا.

أظهرت الدراسات العلمية أن عدد تحديثات الحالة والصور الشخصية الجذابة وعمليات تسجيل الوصول والمتابعين والأصدقاء كلها مرتبطة بشكل إيجابي بالنرجسية، كما هو الحال مع الميل لقبول الدعوات من الغرباء أو الأصدقاء، خاصة عندما تكون جذابة. والسبب في هذه الارتباطات هو أن الأنسان النرجسي يميل أكثر إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتصوير صورة ذاتية مرغوبة، وإن كانت غير واقعية، وتجميع أصدقاء افتراضيين وبث حياتهم للجمهور.

قد تكون مظاهر النرجسية على الإنترنت أكثر من مجرد استراتيجية للتقديم الذاتي للتعويض عن تدني احترام الذات. ومع ذلك، عندما يتم تعزيز هذه الجهود ومكافأتها من قبل الآخرين، فإنها تديم تشويه الواقع وترسيخ الأوهام النرجسية. لأن المشكلة الكبرى في ظهور النرجسية الرقمية في أنها تمارس ضغطًا هائلاً على الناس لتحقيق أهداف غير مجدية، دون جعلهم أكثر جوعًا!

يمكن فحص صعود النرجسية للفرد والسكان من خلال دمج الخوارزميات في وسائل التواصل الاجتماعي لتنبيه المستخدمين حول تضخمهم المتزايد، والترويج الذاتي المفرط، وحب الذات المرضي، وحتى الإشارة إلى احتمال أن يصبح جميع السكان مهووسين بأنفسهم.

والسؤال المهم: هل النرجسية آخذة في الازدياد بين الشباب اليوم؟ وهل يمكن أن تخلق النرجسية على وسائل التواصل الاجتماعي جيلًا مهووسًا بذاته؟

تظهر الأبحاث أن شباب اليوم أصبحوا أكثر نرجسية من أي وقت مضى، حيث يُعتقد أن أكثر من 10 في المائة من الأشخاص في العشرينات من العمر يعانون من النرجسية تحت الإكلينيكية، وفقًا لعلم النفس اليوم. حيث إن وسائل التواصل الاجتماعي تساهم في تعميق هذه المشكلة.

علميا " إن تلقي إعجاب على وسائل التواصل الاجتماعي ينتج عنه ارتفاع فيزيولوجي عن طريق إطلاق دورة المكافأة لدى الإنسان. هذا الشعور الجيد ناتج عن اندفاع الدوبامين في مركز المكافأة في الدماغ". أضافة إلى وجود سببين لهذه الزيادة: التركيز الأكبر في السنوات الأخيرة على بناء احترام الذات لدى الشباب من خلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يشجعهم على التركيز بشكل هوس على أنفسهم وعلى صورتهم العامة.

وبشكل عام، تنقسم النرجسية عادة إلى فئتين: هناك النرجسية الفخمة، التي تتميز بمشاعر التفوق والاستحقاق. ونرجسية ضعيفة، المتمثلة في الحساسية المفرطة للنقد والحاجة المستمرة للطمأنينة. لكن هناك اتفاق في معظم نتائج البحوث أنه "كلما ارتفع مستوى النرجسية، زادت أعراض القلق التي تعزز تطور ميول الإدمان". وأصبح أولئك الذين يركزون على صورهم الذاتية بدلاً من الكلمات أكثر نرجسية بمرور الوقت.

بالمختصر المفيد، وحسب نتائج البحوث، فأننا نعيش الآن في عالم مليء بـ "النرجسيين الرقميين" وهو مصطلح يشير إلى أن التحول الثقافي الأوسع نحو النرجسية بفعل الثورة الرقمية. كما أن ظهور ظاهرة الاستحواذ على الذات تعتبر أحد مظاهر سوء التفاهم بين الأجيال.

مثلما جعلنا الاقتراب من الآخرين أكثر معاداة للمجتمع. وحسب تعبير فرويد "معضلة القنفذ"؛ أي أن البشر مثل القنافذ في الشتاء: فهم بحاجة إلى الاقتراب من بعضهم البعض للتعامل مع البرد، ولكن الاقتراب كثيراً مع بعضهم يسبب الإيذاء بأشواكهم. وما أكثرهم في عالم اليوم الذين ينقلون بكتريا سالمونيا القنافذ الحيوانية إلى القنافذ البشرية الرقمية الناقلة لبكتريا الحقد والنفاق والنميمة لقتل الآخرين تجسيدا للمثل العراقي "بالوجه مراية وبالظهر سلاية"!

[email protected]


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي