: آخر تحديث

محمد بن زايد ... قيادة هادئة وجريئة

61
60
53
مواضيع ذات صلة

اعترف بأنني من خلال تجارب العمر الطويل، تعلمت من الحياة، النظر للسياسة من باب العقل وليس العاطفة، لأن السياسة فيها من الخفايا والمعلومات لا يمكن للجميع معرفتها، فما هو موجود في الظاهر ليس بالضرورة هو الواقع. لذلك يصاب الناس أحيانا بالخيبة عندما يتخذ المسؤول قرارا خطيرا لا يلبي معتقداتهم وأمزجتهم وطموحاتهم. فالناس في الشرق، وخاصة العرب، يميلون عادة إلى القيادة الاستعراضية، الثائرة بالأقوال، والحاضرة في الإعلام بالوسامة والملبس، وبطنين الحروب والبلطجة السياسية، والوعيد والعنتريات الفارغة، والبارود المغشوش. لذلك رأينا دولا عربية، بعضها يغرق بالنفط، تهدمت أركانها وأصبحت ركاما من الحديد الصدأ، وشعوبا مقهورة بالجوع والفقر والبطالة، وأخرى تتقاتل لنصرة الطائفة والقبيلة والقومية.

تعلمت أيضا، إن تطور أي بلد، إنما هو انعكاس لتطور عقلية قادته، وما حققوه من منجزات وتميز في منظومته السياسية والاقتصادية. لذلك هناك نوعين من القادة؛ النوع الأول هم مفاتيح الخير، يحبون خدمة الناس، سعادتهم في تسهيل حياة البشر وقيمتهم فيما يعطونه ويقدمونه، وإنجازهم الحقيقي هو التميز والابتكار لتغيير الحياة للأفضل، يفتحون الأبواب، ويقدمون الحلول ويسعون دائماً لمنفعة الناس. والنوع الثاني مغاليق للخير، يصعّبون اليسير ويقللون الكثير، ويقترحون من الإجراءات ما يجعل حياة البشر أكثر مشقة، سعادتهم في احتياج الناس لهم، ووقوفهم بأبوابهم وعلى مكاتبهم بأذلال.

لذلك لن أتردد قولا وقناعة، بأنني معجب بالشخصية القيادية لسمو الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، ليس بدشداشته الإمارتية الجميلة، وإنما بعقليته السياسية المستوعبة لعواصف السياسة وبراكينها الدولية، وواقعيتها في التعامل مع الأزمات ومتغيراتها. وحكمته الرصينة في الحفاظ على الوطن والشعب في عالم يبتلع القوي الضعيف، وتنتصر القوة العسكرية على السلام، وتنهار القيم الإيجابية لصالح رذيلة الشر، بهدف التأثير في إرادة الدول ومصالحها.

سأقترب من صورة الشيخ الحكيم بلغة العلم والتجربة، فهو قائد وطني حريص على شعبه وأمنه، وصاحب شخصية هادئة وعميقة بالفعل السياسي، غير استعراضية في السلوك والأقوال، نادرة الذكاء والتنبؤ بالمستقبل، وعاشقة للأرض وناسها وقيمها، ومفتوحة على العالم الكبير بتناقضاته ومتغيراته وتحدياته. شخصية جريئة باتخاذ القرارات التاريخية التي يختلف الناس عليها لأسباب كثيرة مرتبطة بالتاريخ والعقائد والأميّة السياسية، وقصر النظر.

لذلك أقول، إن الكتابة عن هذا القائد ليس لأنه مثير للجدل والنقاش فقط، بل لأنني أحاول إزالة علّة اللبس أو الالتباس في مسالة فهم شخصيته كقائد جعل من ارض الإمارات واحة للحرية والازدهار والتسامح والابتكار، لأنني اعرف إن العقل العربي مازال مريضا بثقافة المؤامرة، والتنابز بالألقاب القبيحة، والاستعجال في تقييم الأمور بطريقة سطحية لا تقبل الوسطية والحوار العلمي. بل هناك صناعة سرية للتشويه والتلفيق بهدف أسقاط الرمز، وتفريغ الطاقة الإيجابية من الشعب.

ثمة مثل شائع يقول "الشدائد تصنع الرجال". وفي التاريخ الحديث، بدا ذلك المثل لصيقا للغاية بسمو الشيخ محمد بن زايد في تعامله مع الأزمات العربية والدولية، باختياره الاستراتيجية الأمثل للتعامل مع هذه الأزمات المتوالية بالعدد والخطورة، وهو أمر ليس باليسير، حيث يتطلب هذا التحدي عقلا مستقبليا وتركيبيّا وإبداعيّا وأخلاقيّا لقيادة البلاد إلى بر الآمان.

فالإمارات ماتزال تكبر بالأزمات، وتتحدى براكين السياسة الهائجة من كل صوب وحدب، لعل ذلك مرده إلى عقلية من يحكموه. فما أراه في الواقع والممارسة، بأن سمو الشيخ محمد بن زايد هو اللاعب الماهر الذي يدير استراتيجية القرار، ويتعامل مع الأزمات بذكاء السياسي المحنك من خلال إدراكه السريع للخطر الذي يواجه الوطن والشعب، والصرامة في اتخاذ القرار ضمن مبدأ " القيادة والتحكم “عن طريق اتخاذ القرارات المدروسة والجريئة، وصياغة السياسات الرصينة.

ولعل سر قوته القيادية تعاونه مع المواطنين عبر الأقناع وتوحيد صفوفهم، وتعاملهم معهم بنظرة أبوية لا مثيل لها، وتحليه بالصدق والوضوح معهم بشفافية دون كبرياء واستعلاء. واستنهاضه للقيم الجماعية التي يتوحد حولها الشعب، والتركيز على التاريخ الجمعي لهم. وهذا هو سر محبة الشعب القوية له، لأنهم يشعرون بأنه يراهم ويشعر بهم.

ما يثيرني بشخصية هذا القائد هو انتهاجه سلوكيات وقرارات جريئة لا ترتبط بالعاطفة، ولا الخوف من عواصف الثرثرة العربية المستهلكة، خاصة في القرارات المصيرية التي ترتبط بأمن الدولة من خلال الانفتاح على الواقع بموضوعية العصر ومتغيراته، مثلما حدث في موضوع التطبيع مع إسرائيل، وهو تطبيع لم يفهم دلالاته العميقة بشكل عميق، ولا مراميه الرمزية والمستقبلية. فهو احتواء للأزمات المختلفة، وأنشاء قبة حديدية لحماية الوطن والشعب لاعتراض صواريخ كاتيوشا الحقد والكراهية التي مازالت تتصاعد بألوانها المختلفة ومسمياتها العديدة.

مثلما هناك صرامة في التعامل مع جماعات الإسلام السياسي المسيسة بعقيدة القتل والفوضى واختطاف الدين، وهو نهج توارثه من الحكيم الوالد الذي يؤمن بنهج التعددية والمساواة والتسامح " كلنا عيال الله"   

كذلك هدوءه المدروس والمحسوب بمنطق الرياضيات، فهو يمتلك القدرة على الانفصال من وضع محفوف بالمخاطر والتفكير بوضوح في كيفية الخروج منه. وكثيراً ما نجد الهدوء المدروس مترسخاً في الأفراد المتواضعين، وتواضعه معطر بصحراء الخليج، وتربيته المستمدة من تربية الحكيم الأب زايد طيب الله ثراه.

لقد عشت 20 عاما في الإمارات، مربيا لأجيال عديدة في الجامعة، علمّت وتعلمت. تعلمت منها الكثير في صناعة التواضع والتسامح. وتدربت على مهارة الابتكار والتميز، وعرفت الكثير من إسرار قادتها ونجاحهم التراكمي. وهو الأمر الذي لا يدركه البعيد عنها، ولا يستطيع استيعاب انتصاراتها في التنمية ورياديتها في الأعمال والابتكار، وفنون السياسة المرنة والهادئة.

موجز الكلام، نتفق أو نختلف في الرؤى، فأنني شخصيا منحاز لشخصية الشيخ محمد بن زايد القيادية الهادئة، وطريقته المبهرّة في إدارة الأزمات، وحرصه على حماية الوطن والشعب. فنحن نحتاج إلى قيمه في بناء الدولة العربية القائمة على التسامح والعدالة والأمن المجتمعي والتنمية العملاقة الشبيهة بدولة الإمارات. مثلما نحتاج إلى قيادته الملهمة، وتفكيره النذير، وحكمته الرصينة، ومهاراته القيادية العصرية، وشخصيته القوية الهادئة وكاريزمته، واستشرافه الذكي للمستقبل.

نعم نحتاج اليوم إلى بصيرته وحكمته في عصر البراكين السياسية، والانكسار العربي. وقيل قديما، ليس كل من وطئ مياه البحر أصبحَ سبَّاحًا، وليس كلُّ من اقتنى صِّـنارةً أصبحَ صَيّادًا!    


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.