: آخر تحديث

هل يفهم الملالي الرسالة السعودية؟

6
7
6

ندرك، كباحثين ومتخصصين في الشأن الخليجي، أن نظام الملالي الإيراني يمتلك من الغطرسة والغرور مايحول بينه وبين تلقي واستيعاب رسائل النصائح التي يتلقاها من جيرانه الحريصين على أمن واستقرار المنطقة، وما يتطلبه ذلك من مقومات وجهود وعمل دؤوب يستهدف تسخير موارد الدول وثرواتها لصالح التنمية وتوفير فرص العمل والحياة الكريمة لملايين الشباب الذين يتوقون إلى مستقبل أفضل.

ومع ذلك يبقى لدينا أمل، ولو ضعيف، في أن يتلقى قادة نظام الملالي بعقل منفتح الرسالة التي وردت في خطاب العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعودي أمام مجلس الشورى بالمملكة الشقيقة، حيث دعا إيران إلى التخلّي عن "الفكر التوسّعي والتخريبي" مؤكداً أن هذا الفكر قد  ألحق الضرر بالشعب الإيراني، وقال الملك سلمان في خطابه  "نأمل أن يختار النظام الإيراني جانب الحكمة وأن يُدرك أنّه لا سبيل له لتجاوز الموقف الدولي الرافض لممارساته إلا بترك فكره التوسّعي والتخريبي الذي ألحق الضرر بشعبه قبل غيره من الشعوب".

الحقيقة أن أكبر المتضررين من الفكر التوسعي الذي ينتهجه الملالي هو الشعب الإيراني نفسه، والواقع يشير إلى ذلك بوضوح، والمسألة لا تتوقف على ما يبديه المحتجين الإيرانيين بين الفينة والأخرى، بل تعكسه مؤشرات الاقتصاد الإيراني، الذي يعيش حالة فصام تام مع ما يفترض أن يكون عليه الحال في دولة تحتل مرتبة متقدمة بين الدول التي تمتلك مخزونات كبيرة من موارد الطاقة، ناهيك عما تمتلك من ثروات بشرية وتعدينية ومادية أخرى.

تسببت سياسات الملالي في دفع الاقتصاد الإيراني إلى حالة غير مسبوقة من التدهور والانهيارات المتتالية بسبب إصراره على المضي قدماً في مشروعه التوسعي الطائفي، والصدام مع الولايات المتحدة التي انسحبت من الاتفاق النووي، وقامت إدارة الرئيس ترامب بفرض عقوبات تقول إنها الأقسى في تاريخ العقوبات الاقتصادية ضد النظام الإيراني. ورغم ذلك يصر النظام على تحدي العقوبات التي لا يتحمل تبعاتها سوى الشعب الإيراني، ويرفض الدخول في أي مفاوضات مع الإدارة الأمريكية رغم محاولات حثيثة بذتها الرئاسة الفرنسية في سبتمبر الماضي، وكادت أن تفضي إلى بدء حوار لولا تدخل المرشد الإيراني الأعلى وتوجيه الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته إلى رفض المبادرة الفرنسية بشروط لم يقبلها الجانب الأمريكي.

ربما لم تنجح العقوبات الأمريكية حتى الآن في تحقيق هدف تصفير الصادرات النفطية الإيرانية لأسباب مختلفة، ولكن المؤكد انها نجحت تماماً في إخراج النفط الإيراني من مكانته التصديرية المفترضة، ما تسبب في انكماش الاقتصاد الإيراني بمعدلات غير مسبوقة تاريخياً، وفقدان الناتج المحلى الإجمالي أكثر من 9ر3 % في العام الماضي، ، وارتفعت معدلات التضخم إلى 51 في المائة، ما أدى بالتبعية إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بحدود 70 في المائة، ليشهد الشعب الإيراني كارثة معيشية مضاعفة في ظل ارتفاع نسب البطالة حتى قبل العقوبات الأمريكية، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع متواصل للإيرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وهي مؤشرات سلبية مرشحة للاستمرار والارتفاع في ظل إصرار إدارة الرئيس ترامب على خنق الاقتصاد الإيراني ما لم يستجب الملالي لمطلب الجلوس على طاولة التفاوض بشأن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني.

ربما تكون رسالة العاهل السعودي تهدف إلى إيجاد مخرج لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ولكنها في الوقت ذاته تصب في مصلحة الشعب الإيراني بل ونظام الملالي نفسه، لأن هذا النظام لا يدرك أن سياساته باتت بمنزلة المعول الذي يهدم طموحات وتطلعات شعبه فضلاً عن فرص بقاء النظام ذاته في الحكم، فالنهج الذي يمضي عليه عفا عليه الزمن، وأسلوب التدخل الفج في شؤون الشعوب والدول الأخرى وفرض أجندة طائفية معينة على هذه الشعوب، وتحدي إرادة المجتمع الدولي بات جزءاً من الماضي، ولا يمكن لإيران أن تعيش كجزيرة بائسة وسط جيران يعملون على تنمية بلادهم وتسخير الثروات لمصالح شعوبهم ويحققون قفزات تنموية متسارعة.

لا يمكن أيضاً للنظام الإيراني أن يغير العالم كله ويفرض عليه منظور طائفي ضيق للحياة، وهو المنظور ذاته الذي تعاملت بموجبه تنظيمات التطرف والإرهاب والدولة الداعشية الموءودة، فالعالم يتحرك بوتيرة متسارعة نحو التقدم والتطور وبناء المشتركات والمصالح المتبادلة والعمل على رخاء الشعوب، في حين لا تزال مثل هذا الرؤى المتخاصمة مع الحضارة والتاريخ، تعيش حالة صراعية مع الواقع والمحيط الجغرافي الذي تعيش فيه، ومن ثم فهي تمتلك لا تمتلك جينات الحياة وليست قابلة للاستمرار ما لم تغير رؤيتها للعالم وتمتلك أسباب التعايش والتأقلم مع الواقع ومتطلبات الشعوب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي