: آخر تحديث

مثالب قانون التستر التجاري

5
6
4

وجدت الكويت، شعباً ونظام حكم لم يعرف عنه الظلم أو البطش، منذ ثلاثة قرون، وكانت هذه الأرض ملاذاً، وتالياً وطناً لكل باحث عن الأمان والحرية والعمل الشريف.

مع حلول الرخاء المادي، سهلت الحكومة للوافد العمل، خاصة من أصحاب الخبرات، وتم ذلك دون قيود تذكر، لتفرض تالياً مشاركة المواطنين للأجانب في أنشطتهم، خاصة الكبيرة منها، لكي يستفيدوا مادياً من ذلك النشاط، وليتعلموا منهم أسرار مهنهم، ونتج عن تلك الشراكات مؤسسات صناعية وتجارية ضخمة، وصل بعضها للعالمية، ولا تزال نسبة كبيرة منها مستمرة.

ولولا الغزو الصدامي الحقير، وما نتج عنه بعد التحرير من منع أتباع جنسيات محددة من العودة للكويت، بسبب مواقف حكوماتهم المشين من قضية الغزو، وكان بينهم من كان لهم دور محوري في إدارة تلك الشركات، لكان العدد اليوم أكبر بكثير، لكن قرار المنع أسهم في حينه في دفع عدد من الشركاء الكويتيين، الذين كانت غالبيتهم «شركاء ظل»، دون علاقة حقيقية بالإدارة اليومية، للتحرك بسرعة، وتسلّم القيادة، وأصبحوا اليوم مثالاً للنجاح الصناعي والتجاري. وأستطيع الجزم، كما بيّنت في أكثر من مقال، أن الشركاء العرب، الذين «مُنعوا» من العودة إلى الكويت، تلقوا تعويضات عادلة، غالباً، عن استثماراتهم، علماً بأن أغلبيتهم، وخاصة من الإخوة الفلسطينيين، لم يتوقعوا تسلّم الشيء الكثير من حقوقهم.

مناسبة هذا الحديث، صدور قانون «التستر التجاري»، الذي تضمّن مجموعة من المثالب، وحتى الصعاب لأطراف العلاقة، سواء المواطن أو الشريك غير الكويتي، مما شكّل ضرورة لإعادة النظر في بنود القانون، قبل نفاذه مع بدء عام 2027، وربما التروّي في تطبيقه إلى حين دراسة آثاره الاقتصادية والاجتماعية، كما يرى المحامي عمر العيسى، وإصدار ضوابط واضحة تضمن مكافحة التستر من دون الإضرار بالاقتصاد الوطني، وبمجموعة كبيرة من المواطنين والمقيمين، الذين كان لهم دور حيوي في تقدّم البلاد الصناعي والتجاري والاستثماري.

نطالب بذلك، مع علمنا التام بوجود ضرورة تحتّم صدور هذا القانون، تماشياً مع المتطلبات الدولية، وضمان وضوح النصوص، وعدالة التطبيق، وتناسب العقوبات، وإتاحة مسارات قانونية لتصحيح الأوضاع. فالتطبيق المفاجئ قد يدفع رؤوس أموال كبيرة لمغادرة البلاد، في وقت نحتاج فيه إلى جذبها، وتنشيط القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل، كما أن تضرّر أصحاب الدخول البسيطة والمتوسطة والمتقاعدين، الذين يعتمدون على عوائد أنشطة صغيرة، قد يؤدي إلى فقدان مصادر دخل حيوية بالنسبة لهم، والتسبّب في إغلاق منشآت، وتسريح عمالة، وتعثّر التزامات مالية قائمة.

ربما يتطلب الأمر تحرّك وزارة التجارة والصناعة، وتحريك مياه غرفة التجارة الراكدة، لتقوم بتقديم مقترحات تتعلّق بمراجعة القانون، بعد استطلاع آراء مجموعة من رجال الأعمال، من الطرفين المعنيين بالقانون، وسماع وجهة نظر حتى أصحاب الأعمال والمشاريع الصغيرة، إلى جانب المختصين والخبراء القانونيين والاقتصاديين. فلا شك أن هناك آثاراً سلبية للقانون، يمكن تجنّب البعض منها، وتقليل الصدمة المتوقعة، ووضع معايير واضحة للتطبيق، واقتراح مهلة انتقالية كافية، وتنظيم الإفصاح الطوعي وتصحيح الأوضاع، مع جزاءات متدرجة تراعي القصد وحجم النشاط والضرر الناتج.

وأخيراً، كما ذكر الأستاذ العيسى، فإن نجاح القانون أو فشله لا يُقاس بعدد المنشآت التي تغلق، أو بحجم الأموال التي تغادر، بل بقدرته على وقف التستر، وتحويل الأنشطة غير المنظمة إلى استثمارات قانونية وشفافة، تدعم الاقتصاد، وتحفظ مصادر دخل المواطنين.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد