في زمن كانت فيه الأخبار تتحرك بإيقاع أبطأ، وكانت نشرات المساء تحدد جانباً كبيراً من دورة الاهتمام العام، كان أمام إدارات العلاقات العامة والتواصل متسع من الوقت لقراءة الموقف، وصياغة الرد، وترتيب الظهور الإعلامي. أما اليوم، فقد أصبح الرأي العام يتشكل في دقائق، وتنتقل القصة من منشور عابر إلى موجة واسعة قبل أن تكتمل لدى المنظمة صورة ما يحدث، لذلك لم تعد العلاقات العامة والتواصل وظيفة تشرح ما وقع فقط، بل بدأت تتحول إلى وظيفة تقرأ ما قد يقع.
العلاقات العامة والتواصل في جوهرها لم تكن يوماً مجرد بيانات صحفية أو إدارة مناسبات، بل كانت إدارة للثقة، لكن أدوات هذه الثقة تغيرت، في الماضي كان السؤال: كيف نرد؟ أما اليوم، فالسؤال الأهم: كيف نعرف أن شيئاً ما يتكوّن قبل أن يتحول إلى أزمة؟ هنا تظهر قيمة أدوات تحليل السرد، والإنذار المبكر، ورصد المزاج الرقمي، ليس بوصفها بدائل عن الإنسان، بل كحواس إضافية للمنظمة.
الأزمة الحديثة لا تبدأ دائماً من قرار كبير أو خطأ واضح. أحياناً تبدأ من تعليق صغير، أو مقطع مجتزأ، أو رواية ناقصة، أو حساب مجهول يدفع باتجاه تفسير معين، وحين تتكرر المفردات ذاتها، وتنتقل القصة بين منصات مختلفة، ويتغير المزاج من سؤال إلى اتهام، فإن المنظمة التي لا تملك قدرة على الرصد المبكر ستصل متأخرة، حتى لو كان ردها صحيحاً.
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن بيئة الاتصال أصبحت أكثر تعقيداً، فقد صنّف تقرير المخاطر العالمية لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي التضليل والمعلومات المضللة ضمن أبرز المخاطر على أفق العامين المقبلين، لما لهما من أثر في إضعاف الثقة وزيادة الاستقطاب، وفي السياق نفسه، يوضح تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025 الصادر عن معهد رويترز أن الجمهور يتجه بصورة متزايدة إلى المنصات الاجتماعية والفيديو والبودكاست للحصول على الأخبار، في بيئة تتصاعد فيها تحديات الثقة والتمييز بين الأخبار الموثوقة والمضللة.
هذا التحول يفرض على العلاقات العامة والتواصل أن تنتقل من عقلية إدارة السمعة إلى عقلية فهم السرد، فالمشكلة لم تعد فقط فيما تقوله المنظمة عن نفسها، بل في القصة التي تتشكل عنها خارج سيطرتها. يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات أن تساعد فرق التواصل في اكتشاف الأنماط، وتتبع المفردات المتكررة، وقياس اتجاهات النقاش، ورصد التحولات المبكرة في المزاج العام. لكنها، مهما تطورت، لا تكفي وحدها لفهم حساسية الثقافة، أو تقدير أثر الصمت، أو اختيار توقيت الاعتذار، أو التمييز بين موجة عابرة ومؤشر أزمة حقيقية.
هنا تحديداً يصبح دور المتخصص في التواصل أكثر أهمية، فالآلة قد ترى الإشارة، لكنها لا تفهم دائماً السياق، وقد ترصد ارتفاعاً في التفاعل، لكنها لا تميز دائماً بين تحفظ حقيقي، وموجة مصطنعة، ونقاش عابر. لذلك فإن مستقبل العلاقات العامة والتواصل لن يكون في استبدال الإنسان بالتقنية، بل في الجمع بين ذكاء الأدوات وحكمة الممارس.
ستصبح العلاقات العامة والتواصل أقرب إلى غرفة إنذار مبكر، تقرأ التحولات قبل أن تتضخم، وتفهم الأسئلة قبل أن تتحول إلى اتهامات، وتبني الثقة قبل الحاجة إلى الدفاع عنها. فالمنظمات التي تنتظر الأزمة حتى تظهر في العناوين ستجد نفسها دائماً في موقع رد الفعل، أما المنظمات التي تفهم السرد وهو يتكون، فستملك فرصة أندر أن تحمي الثقة قبل أن تختبر.
في النهاية، لن تصبح العلاقات العامة والتواصل وظيفة تنبؤ كامل، فالمجتمعات لا تُقرأ كما تُقرأ الجداول الرقمية، ولا يمكن اختزال الرأي العام في مؤشرات ولوحات متابعة، لكنها ستصبح، أكثر من أي وقت مضى، وظيفة استشعار مبكر. ترى الإشارات قبل أن تتحول إلى عناوين، وتقرأ التحولات قبل أن تصبح أزمات.

