: آخر تحديث

تركيا والعرب

23
26
26
مواضيع ذات صلة

أوحت لي زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للمملكة العربية السعودية وجولته ببعض الدول الأخرى في الخليج العربي بكتابة هذا المقال، ولم تنشأ الرغبة في الكتابة في هذا الموضوع من فراغ، إذ فرض التاريخ القريب عليّ نفسه وأنا أعاين حجم الجهود التي يبذلها الرئيس التركي لإعادة ثقة قادة عدد من الدول العربية وعلى رأسها السعودية به وبحكمه بعدما اهتزت هذه الثقة لمواقف إردوغان الإخواني المنابت إبان ركوبه موجة ما سمي بـ«الربيع العربي» ليتدخل في شؤون أكثر من دولة وينحاز للإسلام السياسي بشكل غلب عليه الانحياز الإيديولوجي أكثر من الدبلوماسية في أكثر من موقف فكانت النتيجة المنطقية لهذا السلوك الأردوغاني الشاذ آنذاك فتورًا في علاقات تركيا بالدول العربية والخليجية التي رفضت مؤامرة «الربيع العربي» وتصدت لدعم تركيا اللامتناهي للإخوان المسلمين الذين تحالفوا مع أشرار اليسار الغربي والعربي.

 ولعل الرئيس التركي قد استخلص العبرة من تلك الانتكاسة وتأثيرها الشديد في العلاقات العربية التركية عمومًا وفي العلاقات الخليجية التركية على وجه أخص، فطلب الاستدراك والتدارك وعيًا منه بأن تطوير علاقات تركيا بالدول العربية يمر حتمًا عبر القفز على مطبات التاريخ الماضي وتورماته وفتح آفاق جديدة لتعزيز التعاون بما يصب في مصلحة شراكة عادلة حقيقية تستفيد منها تركيا ويستفيد منها العرب عامة ومنظومة دول مجلس التعاون على وجه الخصوص.

 وفي هذا السياق نقول إنه يمكننا تصور بل وتفهم الأمر إذا ما مرت العلاقات العربية مع أي دولة من دول العالم ببعض الأزمات السياسية والثقافية القيمية، وذلك بسبب تشعب تضاريس المصالح وتعمق تضادها الحاد أحيانًا، وأحيانًا أخرى بسبب اختلاف القيم والمبادئ، إلا أن تصور ذلك فيما يتصل بالعلاقات العربية التركية لا أقول إنه مستحيل، ولكنه لا يجب أن يحصل وخصوصا في ظل حكومات الحزب الإسلامي الحاكم المتعاقبة، حزب العدالة والتنمية ذي الشعبية الجارفة في تركيا، لماذا؟ وهذا سؤال من الوارد جدا طرحه، وإجابتي هنا هي؛ لأن العرب والأتراك يرتبطون بكثير من المشتركات منها، الدين والثقافة والاقتصاد، وخصوصًا في مرافقه الثلاثة، التجارة البينية والاستثمارات والسياحة، وكذلك شيء من التاريخ حتى وإن كان كثيره يوصف بالمؤلم للعرب، وهذه المشتركات يجب أن تتقدم لتقود إلى بناء علاقات متينة ليست عرضة للأهواء الحزبية أو تفوق عرق على عرق آخر!

 هذه المشتركات المشار إليها تُعد أهم ما يمكن أن يسهم في جعل العلاقات بين الدول أكثر رسوخا وأطول عمرًا واستمرارية؛ لأنها تنسج شبكة من المصالح تقضي بمراعاتها من قبل الكل لضمان ديمومة بقائها ركنًا ركينًا في العلاقات العربية التركية. لكن التاريخ الحديث والمعاصر طرح وقائع أخرى ورسم مسارا جديدا للدولة التركية الحديثة، بعد «مرض» الدولة العثمانية الذي لا حياة من بعده واستوجب موتها ببتر أطرافها الجنوبية والشرقية، وتغيير طبيعة النظام السياسي في تركيا ليكون علمانيًا على يد مؤسسها كمال أتاتورك أضحت العلاقات ملتبسة وفيها كثير من الاعوجاج الذي ينبغي أن تعمل تركيا على تقويمه حتى تضع علاقاتها بمحيطها العربي على مسارها الصحيح. وهذا يستوجب منا بطبيعة الحال مناقشة سؤال مفاده: كيف السبيل إلى ذلك؟ وأزعم أن هذه «الكيف» هي التي تأخذنا إلى المسار المطلوب لبناء علاقات قوية لا تتأثر بالطارئ السياسي أو بالهوى الإيديولوجي.

 في ظني، إن على تركيا أن تفهم وبشكل صريح وحقيقي وواضح ونهائي جملة من الحقائق، منها: أنها تتعامل مع دول عربية مستقلة وذات سيادة، وأن لهذه الدول مطلق الحرية في رسم سياستها الداخلية وبناء علاقاتها الخارجية وفق ما تتحقق معه مصالحها، وعلى تركيا أيضًا التخلص من محمولات التاريخ الضاغطة وألا تتعامل مع بعض الدول على أنها محميات تركية، كما هو الحال في تصرفها المشبوه في الحالة الليبية الذي حرم الليبيين، حتى الآن، من فرص توافق سياسي تُخرج هذا البلد من أزمته التي صنعها مدبرو مؤامرة الربيع العربي، وفي تدخلها في الأزمة السورية لتضييق الخناق على الأكراد، ومواقفها المنحازة إلى الصف الإخواني في النزاع السياسي الدائر في تونس بين حكم الرئيس قيس سعيد ومعارضيه. وعلى تركيا أن تفهم أن متغيرًا جديدًا طرأ على الساحة العربية قوامه تغير المواقف من أحزاب الإخوان المسلمين، وانحسار تأثيرات هذه الجماعة في الشارع العربي خاصة بعدما أسقط الواقع وممارسات التنظيمات الإخوانية أقنعة الطهارة الدينية والأصالة والوطنية عن هذه التنظيمات المشبوهة نشأة وسلوكًا وتوجهًا. وعلى تركيا أيضًا أن تعي بشكل نهائي أن جماعات الإخوان ينبغي أن تخضع لقوانين البلدان التي تتواجد فيها ولا شأن لتركيا في ذلك، بل وسيكون من المفيد أن ترفع عنهم الرعاية والحماية والدعم لما لذلك من أهمية أمنية تنعكس إيجابًا على الشعبين العربي والتركي.

 في اعتقادي أن هذه المستوجبات - إذا ما تثبت العرب من تركيا بها - فإنها ستُمثل سبيلاً منطقيًا وعقلانيًا لتأسيس علاقات صحية بين العرب وتركيا، فالعلاقات العربية التركية لها عمق تاريخي وأبعاد استراتيجة من الثابت أنها في صالح الطرفين، ولذلك وجب أن تكون العلاقات العربية التركية أكثر صلابة واستدامة من غيرها من العلاقات. وفي ظني أن البناء على العلاقة المتجددة القائمة على أفق جديد تتجذر به المصالح بين المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الأخرى هو المعيار الجديد للعلاقة المستقبلية بين العرب وتركيا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد