الإنسان بين الحاضر والماضي، بين الوقت الراهن والتاريخ، يتأرجح بين كفة العقل وكفة النفس، بين الوعي والعاطفة، بين المُعاشِ الملموس المحسوس والذاكرة البعيدة عن الحاضر المعاش والتي لا يمكن التعاطي معها إلّا بالتصورات والتخيلات وبعض من الأوهام.. الذاكرة، وبالتوازي مدونات التاريخ، تحفز فينا ملكة التصور والتخيل والاندفاع إلى العيش في أجواء من طقوس الأوهام.. الذاكرة بمادتها التاريخية قد تتحول إلى مرجع لقرارات الحاضر، مما يعني دوران الحاضر حول نفسه بفعل الانجذاب القوي إلى الماضي، وهذا يعرقل الحاضر من التطور ومن ثم من التقدم إلى الأمام.
إذا ما نظرنا إلى التاريخ فإنه مدونات مسطورة في كتب والبعض القليل محفور في قطع من الصخور، وهناك فارق نوعي بين المدون والمحفور. المدون كان عرضة للتحريف مع تعاقب الزمن وضرورة النقل من مخطوط قديم الى صفحات جديدة لأن المخطوط الأصلي والقديم عرضة للتلف بفعل تقلبات ومؤثرات البيئة، وفي بعض الأحيان يكون التحريف مع سبق الإصرار رغم صلاحية المخطوط وسلامته. أما المحفور فلا يمكن تحريفه و لكن يمكن تدميره. بشكل عام فإن سطور التاريخ مزيج من الصدق والكذب منذ اللحظة الأولى من التدوين، ونقل أمين ونقل محرف عندما يقتضي المحافظة على المحتوى بنقله الى صفحات جديدة حفاظًا على سجل الماضي. جميع كتب التاريخ منقولة من مخطوطات هي بذاتها منقولة من مخطوطات سابقة غير الأصلية، وهذا التعاقب في النقل من الأصل الى الحاضر البعيد عن الأصل يثير تساؤلات وشكوك حول مطابقة النص المنقول بالنص الأصلي، خاصة وأن النصوص الأصلية قد تلفت او أتلفت، وكل الذي بين أيدينا هي كتب منقولة عن عدد من تعاقب النقل وليس عن الأصل. إن الذي يثير التساؤلات والشكوك أنه ليس بأيدنا ما يؤكد أن مهمات النقل من مخطوطة قديمة الى صفحات جديدة طازجة لم ترافقها او تشوبها عمليات تلاعب بإلغاء نصوص او كلمات وإضافة نصوص وكلمات بديلة وإعادة صياغة على هوى من بيدة السلطة على تلك المخطوطات، بل هناك شواهد على أن عمليات تلاعب بالنصوص قد تمت فعلًا في مخطوطات عديدة.
للتاريخ صورتان، صورة پانورانية عامة وكبيرة macro، وصورة تفصيلية micro تجزئ الصورة الكبيرة الى فصول من الدراما والتراجيديا، إلى بطولات وخوارق وبعض من المعجزات، وهذه الصور التفصيلية تدغدغ النفس التواقة الى حب الذات وهي المغروسة بقوة في الذاكرة، حتى أنها قد تؤثر على قرارات الحاضر إذا كانت كفة العاطفة غالبة على كفة العقل.. لا شك أن التاريخ مدرسة ومعين من العبر، ولكنه التاريخ في صورته الكبيرة و ليس التفصيلية، إذ أن الصورة التفصيلية، التي تميل العاطفة اليها، هي حشو من الخوارق التي لا تستقيم مع طبيعة الإنسان وطبيعة الأشياء، ومبالغات تفوق حتى الخيال، وتجميل للقبيح وتشويه للجميل، وذلك لغرض في نفس الملقن على المدون. أكثر التاريخ التفصيلي تلقين في إذن المدون، وقليل من التاريخ هو تأريخ حر دون تلقين، والتمييز بينهما قضية كبيرة ومعقدة يعالجها علم التاريخ..
كمثال على الخوارق فإن التاريخ المصري القديم يروي حيثيات المعارك الحربية بين الجيش المصري، بقيادة الملك رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وجيش الدولة الحثية (تركيا اليوم)، وكيف أن المحاربين في إحدى المعارك المصيرية خذلوا رمسيس الثاني عندما شاهدوا حجم الجيش الحثي، فتراجعوا، ولكن رمسيس أصر على المواجهة وحده، وكيف أنه حارب جيشًا كاملًا لوحده. وأثناء المواجهة لاحظ الحثيون القوة الخارقة التي تكشف عنها سواعد رمسيس الصلبة القوية وسرعة حركاته ومناوراته كأنها البرق، وتسديد سيل السهام النافذة الى صدور اعدائه، حتى أنهم اعتقدوا أنهم يحاربون إلهًا وليس إنسانًا، وكيف أن رمسيس انتصر لوحده دون جيشه وأخضع الجيش الحثي كله، واضطر ملك الحثيين تسليم أمره إلى إرادة رمسيس الثاني. لا شك أن هذا الوصف مناف للحقيقة، وأنه من مبتكرات التدوين التفصيلي الذي يراد منه المبالغة في مكانة الملك و إعلاء شأنه الى مرتبة فوق مستوى البشر.. هذا مجرد مثال، ومن يتمعن في قراءة سطور التاريخ قراءة شاخصة يمكنه أن يتلمس هكذا مبالغات و خوارق لا يمكنها أن تكون من عالم الواقع الإنساني ولا من طبيعة الأشياء.
هذه التفصيلات من خوارق ومبالغات ومعجزات تسهم في التداخل مع ايدولوجية وعقيدة الإنسان الذي يؤمن أن حاضره هو امتداد تتابعي عملي لذاك الماضي الذي يراه مجيدًا وأنه من الواجب الوطني عامة والايماني خاصة أن يكون الهدي والرشاد لحاضره، فيكون السرد التفصيلي غير الواقعي لأحداث الماضي مادة تغذي العقيدة السائدة مما يجعل الحاضر أسير الماضي. مع مرور الزمن تتفاعل التفصيلات التاريخية مع معطيات العقيدة الثابتة لتفرز سلسلة من الأساطير ويتشكل منها نمط من منظومة ايدولوجية لها سلطة اجتماعية نافذة قاهرة، وتسبغ على نفسها صفة السلطة الروحانية. إذا نظرنا الى الصورة الكبيرة للتاريخ نرى أن جميع الامبراطوريات والدول والكيانات السياسية تستند، بدرجات متفاوتة، الى سلطة ايدولوجية ( دينية) لتدعيم وتثبيت سلطتها السياسية، وفي بعض الاحيان تتصادم السلطتان، خاصة اذا دغدغ الطموحُ السلطةَ الايدولوجية للصعود على عرش السلطة السياسية والجمع بين الدين والسياسة في سلطة واحدة، وهذا موضوع قائم بذاته له مؤديه و معارضيه.
قبل أكثر من 2400 عام أدرك أبو الفلسفة سقراط خطورة وعدم جدوى هذا التحالف بين الدين و السياسة، وخاصة الجمع بينهما في سلطة واحدة، و قدم حياته بجرعة من السم ثمنًا لفكره الذي كان يسعى الى حماية حرية الإنسان والفضيلة من سطوة منظومة ايدولوجية تكبل الحاضر بقيود الماضي، و من طبيعة المنظومات الايدولوجية أن تجعل الحاضر ساحة لصراعات تاريخية عفى عليها الزمن. في أوروبا تلقف المفكرون التنويريون في القرن السابع عشر فكرة سقراط وكان المنعطف التاريخي الذي فصل السياسة والدولة عن الدين، و ما كان لأوروبا أن تخطو خطوة واحدة لتفتح أبواب الإنجازات العلمية والتطور في مجال العلوم الإنسانية والكشف عن الحقوق الإنسانية وترسيخ النظام الديمقراطي، الذي هو أفضل نظام سياسي الى اليوم، لولا فصل الحاضر عن الماضي بإعلاء واقعية الفكر على أوهام النفس، أي وضع التاريخ في موضعه وتحرير الحاضر من قيوده.. فمن أراد أن يسير الى الأمام ويتطور ويحسن من واقعه الإنساني، معيشيًا وحقوقيًا ودون المساس بكرامته، فلا بد من اتخاذ الخطوة النوعية الجريئة بتحرير الحاضر من الماضي.

