: آخر تحديث

مقتدى السيد أم مقتدى الامير؟

12
10
14

عندما جاءت الانتخابات الى العراق وفُتح باب تشكيل الاحزاب لم يكن احد يعرف الحجم الحقيقي للاحزاب والشخصيات العراقية، اذعاشت المرحلة الاولى مخاضين، الاول كان عملية تهميش السُنة بعد ان كانوا في الصدارة حتى في ايام الديمقراطية الملكية التي كانت متوازنة في طرحها الديمقراطي العلماني غير المتاجر بالدين، والمخاض الثاني كان كتابة الدستور.

الذي حصل بعد عام 2003 كان مؤسفاً حقاً اذ شهدت مرحلة فوضى وتدخلات خارجية لم يكن اي منها مفيد للعراق وكان العراق يسير نحو النموذج اليمني الحوثي الذي من شأنه تسليم البلد لميليشيات متنفذة وتأتمر بأوامر خارجية غير نابعة من مصلحة البلد الفعلية واحتياجات الناس.

ثم انفجر مرقد السيد علي الهادي العسكري، وكان انفجار المرقد بداية لمرحلة جديدة من الفوضى التي ربما لم يشهد العراق مثلها الا ابان الغزو المغولي لبغداد.

في خضم تلك الفوضى والصراعات برز بيت السيد الصدر وكان الصدر الاول وهو جد السيد مقتدى الصدر الذي كان معروفا بأرائه المعتدلة وطروحاته المنطقية، اضف لذلك مساعدته للفقراء والمعوزين، بالاضافة لمواجهته لنظام صدام بطرق مباشرة وغير مباشرة وكان اول مرجع شيعي قرر اقامة صلاة الجمعة وكان يلبس الكفن وهو يلقي الخطبة معلناً عدم الخوف من الموت في اثناء القائه لخطبة الجمعة وهذا وغيره من العوامل التي قد اسهمت بشكل كبير برفع شعبية هذا المرجع لدرجة انه بات واضحاً من نتائج الانتخابات ان التيار الصدري لديه اتباع مخلصين يقدرون بثلاثة ملايين مخلص لفكر السيد الصدر وهو ما لايملكه اي من التيارات السياسية العراقية.

ومن مراجعة لنتائج الانتخابات الاخيرة وماقيل من وجود خروقات وتجاوزات الا ان من الواضح ان التيار الصدري هو الاكثر ديمومة بل والاكثر اعتدالاً بين التيارات الشيعية العراقية الامر الذي جعل العرب يتقربون له قبل الانتخابات كونه اصبح واضحاً ان هذا التيار الذي عانى من الارهاب وخاصة ارهاب ذوي القربى من الفصائل الشيعية الاخرى قرر ان يكون حراً وغير تابع لأي فكر سوى الفكر السياسي الغير طائفي والمستقل.

كنا نظن ان العراق انتهى وان الطائفية قد اطبقت بفكيها على هذا البلد الجريح الا ان مواقف السيد الصدر وخط التيار الصدري العام جعلنا (سُنة العراق والعرب عموما) نراجع الكثير من الامور ومنها مسائل تمت مناقشتها سابقا ومنها اقامة اقليم سُني يضمن تواجد امن ومخابرات من المحافظات السنية التي تعمل على منع ظهور الارهاب وتعمل على ادامة الاستقرار وتدفق الاستثمارات المحلية والدولية لمناطق السُنة التي عانت ويلات التهميش والارهاب والترهيب، بسبب اتجاه سياسي عام لم يستطع ايقافه حتى السيد مقتدى وباقي علماء الشيعة الرافضين للطائفية السياسية والاقصائية.

المُلاحِظ لعنوان المقال سيقول ماذا تعني بالامير مقتدى، واقول ببساطة ان هناك دول تتكون من ثلاثمئة او اربعمئة الف شخص وقادتها ملوك ورؤوساء، في الوقت الذي يتبع التيار الصدري مالايقل عن ثلاثة ملايين تابع مخلص ومع ذلك لانُسمي السيد مقتدى بالطريقة التي تليق به. لقد علمني والدي احترام الكبير والعطف على الصغير واحترام وتوقير شخص كبير وسليل عائلة عريقة كالسيد مقتدى يعتبر من مكارم الاخلاق التي تربيت عليها، وعموما في العراق والوطن العربي هناك الكثير من السادة الحسنيين والحسينيين احناف او مالكية ومنهم ملك الاردن السيد الحسني وملك المغرب السيد الحسني ايضا.

لذلك فأنا اعتبر ان السيد مقتدى بمثابة امير ويجب ان يُحسب له وللتيار الصدري الف حساب في حاضر ومستقبل العراق، ومما لايفوتني ذكره ان جدي ابراهيم باشا الذي كان مستشار ومدير مكتب رئيس الوزراء نوري السعيد لديه صورة مع جد السيد مقتدى الصدر الكبير وكان الصدر الكبير قد تولى رئاسة الوزراء في فترة من الفترات، وفي نفس الوقت تبين لنا تلك التقاربات بين البيت الصدري وبين الملك العراقي المعظم رحمه الله كيف ان الدولة العراقية كانت تسير في المسار الصحيح قبل الانقلاب العسكري الغير مبرر في نهاية خمسينيات القرن السابق.

قراءة في نتائج الانتخابات

تمخضت الانتخابات عن واقع جديد اذ حصل السيد مقتدى من خلال قائمة سائرون على اربعة وخمسين مقعد ثم الفتح التابعة للحشد الشعبي بسبعة واربعين مقعدا ثم النصر بقيادة الدكتور المعتدل العبادي بأثنين واربعين تليها الاحزاب الكردية وعلاوي والنجيفي ولكل منهم تقريبا العشرين مقعد او اكثر بقليل. اضف لذلك حصول المالكي على مايربو من عشرين مقعد او ما يزيد عن ذلك، اما قوائم السُنة في محافظاتهم فكانت نتائجها متواضعة اذ حصل ائتلاف الانبار هويتنا على خمسة مقاعد وائتلاف صلاح الدين على مقعد واحد وائتلاف الموصل على ثلاث مقاعد و ربما قد تزيد قليلا بعد الفرز النهائي لكن هذه هي الصورة الان.  

الملاحظ في هذه الانتخابات ان سياسيي السُنة نزلوا مع قوائم شيعية معتدلة او علاوي او النجيفي ومهما قلنا فأن المقاعد التي حصل عليها السنة قليلة جدا لو قورنت بعددهم الحقيقي على الارض اضافة لموضوع النازحين وعدم الاستقرار والفوضى التي لازالت تلقي بظلالها بعد تحرير المحافظات السنية من الارهاب.

رسائل الشعب العراقي

غالبية العراقيين قاموا بمقاطعة الانتخابات النيابية العراقية 2018 اذ انهم بعد ثلاث دورات انتخابية لم يلمسوا تقدما ملموسا في الخدمات وادارة الدولة ومحاربة الفساد، فلازالت بغداد تملؤها النفايات ولازالت افاق التنمية والتقدم بعيدة المنال وتحتاج الى حلول جذرية.

الا ان الجانب الايجابي في هذه الانتخابات هو ان من حضروا الانتخابات وقد تراوحت نسبتهم بين 30 الى 40 % من مجمل الناخبين قد انتبخوا قائمة سائرون المعتدلة التي تعتبر قائمة السيد الصدر، والعبادي ايضا حصل على مقاعد كثيرة اهلته للمرتبة الثالثة بفارق بسيط عن قائمة الفتح، وهو معروف ايضا بمواقفه المعتدلة بالأضافة الى انتمائه لعائلة معروفة ومن منطقة راقية جدا. لذا فأن الشعب العراقي قد اختار محيطه العربي في هذه الانتخابات واختار الاعتدال ومحاربة الفساد وتطوير العلاقة مع المحيط العربي وعدم التخاصم مع ايران بل اعادة التوازن في العلاقة معها وارسال رسالة واضحة مفادها ان العراق سيد نفسه وان العراق مستقل.

لكن يبقى المشهد العراقي غير واضح المعالم وهناك ضغوطات على التيار الصدري والعبادي، ومستقبل العراق يعتبر مجهولا في ظل عزوف الكثير من العراقيين عن الحضور للانتخابات لأن غالبية الشعب العراقي قد يئست من تحسن الامور ولذلك كان ذلك الحضور الضعيف لأنتخابات 2018، وبقيت مهمة اثبات العكس وبناء دولة مستقرة على التيار الصدري والتحالف الذي سيشكله لان الشعب العراقي قد اعطاه الاغلبية والمرحلة القادمة ستكون مرحلة حرجة ومصيرية في تقرير الاتجاه الذي سيسير اليه البلد، هل سيكون بناء واعمار وخدمات ومحاربة فساد وطائفية واقصاء ام سيستمر المسلسل الممل الذي شهدنا فصوله سابقا، ليس علينا الا ان ننتظر لنعرف الجواب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي