: آخر تحديث

نحن ديموقراطيون وأنتم غير ديموقراطيين

16
17
20

هذا هو ملخص دعوة الرئيس بايدن وإدارته لعقد مؤتمر للديموقراطية الذي عُقِد هذا الشهر على مدار يومين بإستبعاد دول كثيرة بينها روسيا والصين، وكل الدول العربية بإستثناء العراق. 

وقبل الوقوف على مصداقية وجدية الدعوة، ما هو حال الديموقراطية الأميركية وخصوصاً في عقدها الأخير مع إدارة ترامب؟

أشير إلى التساؤل الفلسفي. أيهما افضل السلطوية أم الديموقراطية؟ وهل من نظامٍ سياسي مثالي يمكن ان يصلح لكل الأنظمة والشعوب في العالم؟

في أدبيات النظم السياسية لا يوجد نظام سياسي مثالي. فالمثالية، وهي حالة مطلقة غير قائمة، يبقى النظام السياسي الناجح هو الذي يعكس ويجسد التطورات والمحددات التي تحكم بيئة النظام.
فالنظام السياسي بيئة شاملة داخلية تحكمها عناصر قابلة للتطور. أهمها العنصر السكاني القابل للزيادة، وما يحكم هذا العنصر من إحتياجات ومطالب متزايدة.

وهذه الإحتياجات والمطالب ليست مادية فقط، بل تتعلق بالحاجات المعنوية مثل الحقوق والحريات التي تتوافق وفطرة الإنسان. 

ولا يقتصر التاثير على البيئة الداخلية، بل هناك تأثيرات البيئة الخارجية بكل مؤثراتها كما نرى ذلك في الضغوطات التى تمارسها دول معينة كأمريكا بالضغط على دول وأنظمة حكم أخرى تقوم بإنتهاكات وتعديات لحقوق الإنسان وكرامته الآدمية. فتمارس الضغط وفرض العقوبات. 
والمثال الواضح هنا في المؤتمر الذي دعت إلية إدارة بايدن واستبعدت دولاً كثيرة منه  كما أشرنا أعلاه. 

هذا ولا يوجد نظام سياسي واحد يمكن أن ينطبق على بيئة غير بيئته. فبيئة النظام السياسية تختلف من نظامٍ لآخر كدور الدين مثلاً والعقيدة، والأيدولوجية، ودور مؤسسات المجتمع المدني، وتواجد الثقافة المدنية، ودور المؤسساتية والثقافة الرعوية والشخصانية، ودور المؤسسة العسكرية، وعلاقاتها بالسلطة المدنية، وكل هذه العناصر تتباين من نظامٍ لآخر. 

فعلى سبيل المثال، النظم الديموقراطية تقوم على المؤسساتية والدستورية ومنظومة القيم والحقوق، وعلى التعددية والتسليم بمبدأ تداول السلطة والمشاركة السياسية الواسعة، والإنتخابات، كوسيلة دورية لتداول السلطة.
ففي مثل هذه النظم ليس مهما ًمن يفوز بالإنتخابات، لأن مرجعية النظام السياسي واسس شرعيته ثابته ويلتزم بها من يفوز بالإنتخابات، وقد تكون هناك تمايزات بسيطة تتعلق ببعض القضايا الإقتصادية والإجتماعية.
لكن ثوابت النظام السياسي ثابتة لا تتغير بتغيّر من يحكم شخصاً أو حزباً. هذا الحال قد لا يصلح في نظمنا السياسية. فالإنتخابات قد تأتي بجماعات إسلامية أول ما تقوم به العمل على إلغاء الشرعية السياسية القائمة وإستبدالها بشرعيتها ومرجعيتها الدينية. وهذا قد يقود لحالة من عدم الاستقرار والعنف الداخلي وفقدان السلم الإجتماعي، وخصوصاً في دول فيها جماعات دينية وأثنية أخرى. فتكون النتيجة الحتمية ان الانتخابات، وحتى ما يُسمى بالنظم الديموقراطية لا تصلح في مثل هذه الحالة. مما يدفع للتدخل العسكري، ومحاولة إستعادة النظام السابق، ومحاولة فرض السلطوية القادرة على تحقيق الاستقرار والسلم الإجتماعي.

والتساؤل الذي يثار هنا، أيهما أفضل السلطوية بالإستقرار والسلم الإجتماعي مع تقييد لدرجة من الحقوق أم الديموقراطية بإندلاع العنف والفوضى وتدهور لمنظومة الحقوق بكاملها؟

هذا التفسير قد يرفضه البعض وترفضه الدول التي تتمسك بأنظمتها الديموقراطية كالولايات المتحده مثلاً.
لكن حتى هذه الدول لا يمكن القول أنه يسودها الديموقراطية الكاملة. فلا شك ان مثل هذه الديموقراطيات تعاني من أعراض مرضية كثيرة.

صحيح، هي ما زالت قوية وحية. ومن منظور الحقوق الفردية، تُعتبّر الأفضل مقارنةً بغيرها، لكنها أيضا تعاني. 
والمثال الواضح لدينا النظام الديموقراطي الأميركي منذ إدارة ترامب. وهنا ثارت تساؤلات كثيرة، وبرزت العديد من الدراسات التي تناولت الحالة الأميركية.
وهناك من تساءل: هل تراجعت الديموقراطية أم أنها تحتضر. وخصوصاً بعد الأحداث التي شهدتها الانتخابات الأخيرة وتشكيك ترامب فيها، والهجوم غير المسبوق على الكونغرس، وتمزيق نانسي بيلوسى رئيسة مجلس النواب عن الديموقراطيين، خطاب الرئيس ترامب. بالإضافة لعدم مصافحة ترامب لها. كما أن مقتل جورج لويد على يد أفراد من الشرطة ينبئ بإنقساماتٍ مجتمعية.

ويشكك بعض المحللين بالتفاخر بأن الديموقراطية الأميركية الأقدم في العالم، ووصفها بالسخيفة، وأنها حديثه كما البرتغال وإسبانيا. 

وكما أشارت أشلي باركر وجون هدسون في الواشنطن بوست أن قمة الديموقراطية تضم دولاً لا يمكن تصنيفها بالديموقراطية.

وجاء في المقال أنه رغم إنتقاد وزارة الخارجية لباكستان بإنتهاكها لحقوق الإنسان تمت دعوتها لإعتباراتٍ جيوسياسية، بعد إنقلاب طالبان في أفغانستان.

وأضاف أن إدارة بايدن تريد تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار. وتراوحت الدول ما بين ديموقراطية وديكتاتورية ودول تقع في المنطقة الرمادية مثل هنغاريا وتركيا. 

وسبق لإدارة ريغان ان وصفت الكتله السوفيتية بإمبراطورية الشر، ووصف جورج دبليو بوش للعراق إيران وكوريا الشمالية بمحور الشر. 

ومن المفارقات، تصنيف مؤسسة فريدم هاوس للديموقراطية، والتي تبدأ من واحد للمائة، وكيف ان الولايات المتحدة تراجعت من 94 نقطه إلى 83 نقطه في اعقاب الهجوم على الكونغرس في يناير 2021.
واليوم تواجه الديموقراطية الأميركية إنقلاباً كما وصفها ريشارد هاسن أستاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة إيفرين الأميركية من قبل ترامب والمطالبة بالإصلاح الإنتخابي، كما حدث في ولاية ويسكنسن.
 وإذا تحقق ذلك على يد الحركة السلطوية المتشددة من الجمهوريين، فقد تكون انتخابات 2024 الأخيرة. وكما أشارت لورا توتسون، أن هذا لو حدث في دول أخرى لفرضت عليها العقوبات. 

والأصل ان فكرة المؤتمر جاءت في مقال لبايدن في الفورين أفيرز أثناء حملته الإنتخابية للرد على إتهامات ومحاولات ترامب. 

ويبقى ان هذا المؤتمر الإفتراضي هذا العام، والذي سيعد مباشرةً العام القادم، محاولة من إدارة بايدن لإتقاذ الديموقراطية ورسالة أن أميركا ما زالت القوة التي تقود وتحمي النظام الديموقراطي. وقد تأتي فى سياق الحرب الباردة الجديدة مع الصين وروسيا.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.