: آخر تحديث

تهافت "إقتصادنا" (1)

16
15
15
مواضيع ذات صلة

للمرحوم العلامة محمد باقر الصدر مؤلفات وبحوث إسلامية كثيرة، سأتناول أحد اشهرها وهو كتاب إقتصادنا في سلسلة مقالات تسلط الضوء على مكامن الخلل. لاشك ان المرحوم كان مفكرا إسلاميا كبيرا، لكن ،كغيره من المفكرين، له أخطاء وشطط وهفوات. هكذا كلام سيفاجئ ممن اعتقدوا غير ذلك، ويقينا أن اغلب هؤلاء عرفوا عن حياته ومؤلفاته من خلال معجبيه او أنهم قراء ليسوا بمستوى نقد اطروحاته ولايفقهون مذاهبه، فانبهروا بها أيما انبهار حتى لقد اصبحوا يتحدثون عنه وكأنه ابن سينا او ابن رشد او الغزالي وهو، حسب رأيي، ليس الا واحدا من مئات الكتاب الاسلاميين وليس الوحيد بينهم، بل كانت أغلب مؤلفاته مجرد توسعة لمؤلفات بعضهم.
 المؤاخذ على محمد باقر الصدر انه حينما يتناول فكرا او فلسفة غربية او شرقية غير اسلامية، فانه يعتمد على تراجم مترجمين عرب ولأيأخذها من مصادرها الرئيسية لانه لايفقه لغات مؤلفيها الاجنبية. ثم أن كثيرا من التراجم العربية لاتتطابق مع النصوص الاجنبية إما لنقص في احترافية ومهارات المترجم او لعدم حياديته وأمانته المطلقة بالترجمة أوافتقاده الاطلاع الواسع على العلوم التي يبحثها المؤلفون الاصليون.
 لكي يسهل عليهم تفنيدها، اقتطع بعض النقاد نصوصا أجنبيه من سياقاتها بقصد الاساءة لمؤلفيها لاسباب دينية أو سياسية أو اجتماعية، لذا على من يقتبس نصوصا لمؤلفين أجانب بقصد الرد عليها توخي الدقة في اختيار مصادره ، ولم يكن محمد باقر الصدر كذلك، بل لعله إنتقى من التراجم العربية أضعف النصوص كي تسهل عليه مهاجمتها وتفنيدها وسترون هذا مبينا في المقالات اللاحقة. سترون لاحقا ايضا ان الكثير من استنتاجات الصدر مقتبسة من مفكرين آخرين لكنه لم ينسبها لهم بقصد ايهام القارئ انها استنتاجاته هو. 
في الصفحة 12 من مقدمة كتاب إقتصادنا، يقول الصدر "ويعتمد كل من الاتجاهين ٍ[الاقتصاد الحر والاقتصاد المخطط] في تفسيره لما يمنى به من فشل في مجال التطبيق على الظروف المصطنعة التي يخلقها المستعمرون في المنطقة لكي يعرقلوا فيها عمليات النمو ولايسمح لنفسه على أساس ذلك أن يفكر حين الاحساس بالفشل في أي منهج بديل للشكلين التقليديين اللذين أتخذتهما التجربة الاوربية الحديثة في الغرب والشرق بالرغم من وجود بديل جاهز لايزال يعيش نظريا وعقائديا في حياة الامة وان كان منعزلا عن مجال التطبيق وهو المنهج الاسلامي والنظام الاقتصادي في الاسلام."
 لم يفشل الاقتصاد الحر في مجال التطبيق في اي بقعة من الارض وقد قلب عنوة في بعض دول العالم في عصر المد الشيوعي، اي فقط في الدول التي قلب انظمتها السياسية الشيوعيون وحولوا نظمها الاقتصادية من نظام السوق الحر الرأسمالي الى نظام الاقتصاد المخطط الاشتراكي كما حصل في كوبا وفيتنام وغيرهما. لذلك تنبأ الفيلسوف الامريكي فرانسيس فوكوياما - بعد فشل الاقتصاد المخطط في مجال التطبيق وتاليا تفكك الاتحاد السوفيتي- بنهاية التأريخ  من خلال إنتصار الاقتصاد الحر وتسيد قرينه السياسي النظام الديمقراطي. الاقتصاد الحر نجح نجاحا باهرا في دول اسلامية وعربية ولم نشهد حساسية شعبية من إستعمال أدوات المُستعمِر كما يدعي السيد الصدر، خذ مثلا دول الخليج العربية وعلى رأسها الامارات والسعودية وقطر وعمان التي تتبنى هذا المذهب الاقتصادي منذ تأسيسها.
 المستعمرون لايريدون عرقلة عمليات النمو في "الدول المستعمرة" بل على العكس فهم يعملون على تطوير اقتصادها وتنمية رأس مالها البشري كي تلتحق بركب النظام الرأسمالي، والا كيف لك ان تدمج دولة تنفتقرالى البنى التحتية والفوقية المالية والصناعية والعلمية والايدي العاملة الماهرة بالنظام الراسمالي العالمي؟ وكيف تستطيع الدول "الاستعمارية" الكبرى الاستفادة من قدرات "الدول المستعمرة" البشرية والمادية؟ وكيف لها أن تروج بضائعها الغالية على شعوب دول فقيرة مالم تتبنى قبل كل شيء سياسات اقتصادية ترفع مستوى دخل الفرد لديها وتنمي قدراتها البشرية؟
 الاقتصاد الحر يفهمه مؤسسيه على انه الاقتصاد القادر على الاستدامة.. الاستدامة تعني استمرار عمليات التبادل التجاري. الدول الاستعمارية لاتريد سرقة ثروات الدول المستعمَرة والهروب بها كما يريد الصدر ان يقنعنا لان هكذا عملية لاتساعد على استدامة "استغلال" الدول المستعمَرة والتي يطلق عليها انصار الاقتصاد الحر -وأنا واحد منهم- " تبادل منفعة." شركة مايكروسوفت الامريكية العملاقة تفتح مراكز في دول العالم الثالث لتعليم الشباب مجانا تشغيل منتجاتها من الحواسيب والبرامج ،لان البديهة تقول لايمكن ان يشتري احد جهازا لايعرف كيفية تشغيله، وتاليا فهي تساهم بشكل كبير في رفع المستىوى التعليمي وتنمية قدرات شعوب "الدول المستعمرة."
ماهو البديل الجاهز الذي مايزال يعيش نظريا وعقائديا في حياة الأمة؟ النظام الاقتصادي بالاسلام؟ النظام الاقتصادي بالاسلام كذبة يروج لها الاسلامويون منذ قرون ولا يوجد شيء اسمه النظام الاقتصادي بالاسلام. لان "الاقتصاد" كعلم ابتكره الغربيون: بنى المفكر الاسكتلندي آدم سمث أفكاره على مقالات كتاب فرنسيين حول كيفية عمل الاقتصاد، وأضاف لاحقا كارك ماركس ورجل الدين المسيحي توماس مالتوس لأفكار آدم سمث وجادلا ان الندرة تقود الاقتصاد، ووظف ليون مالراس والفرد مارشال الاحصاء والرياضات للتعبير عن المفاهيم الاقتصادية ومازال العالم يعتمد نظرية جون كينز في إدارة السياسات المالية، وجادل ملتون فريدمان بأن زيادة رأس المال في النظام الاقتصادي تقلل الحاجة الى التدخل الحكومي في حركة الاقتصاد. في التراث الاسلامي ثمة تعاملات وتداولات ومقايضات اقتصادية لم ترتق لمستوى نظرية اقتصادية، وجمع مقتطفات وقصص واحداث تعاملات اقتصادية محدودة لايمكن البناء عليها لتأسيس اقتصاد اسلامي منافس، لذا حاول بعض الاقتصاديين الاسلاميين - كمحمد باقر الصدر- أسلمة الادوات الاقتصادية الغربية لتقديمها للمتلقي الاسلامي وكأنها البديل النابع من صميم التراث الاسلامي.
 ورغم أن فكرة المصرف/البنك كانت متبناة في الامبراطوية الرومانية الا أن أول مصرف بمعنى المصرف المعاصر تأسس في برشلونة عام 1401 من قبل الحكومة الكتلونية. يعني ليس هناك مؤسسة أسمها مصرف او بنك في التراث الاسلامي، لكن هذا لم يمنع الصدر من التنظير للبنك اللاربوي وتقديمه باعتباره البديل الاسلامي للبنك الغربي الرأسمالي أو الاشتراكي. إنشئ أول بنك اسلامي في دبي في سبعينيات القرن المنصرم وانشئت بعده مصارف اسلامية في أماكن متعددة في العالم. في تسعينيات القرن الماضي حاول صدام حسين ركوب الموجة الاسلاموية فاطلق مايسمى "الحملة الايمانية" وأسس مصارفا اسلامية، هي في حقيقتها مصارف نفعية تم فيها التلاعب على المفردات في التبويب فبدلا من مفردة "الفائدة" استعملوا عبارة " رسوم ترويج معاملة."  وتغير البنوك الاسلامية أسماء تعاملات وتبقي الفوائد فمثلا " المشاركة" في البنك الاسلامي هي joint venture  في النظام المصرفي الغربي.
يميز الاسلامويون بين الربا والتجارة فيجادلون مثلا: ان تطلب قرضا بفائدة من بنك لشراء سيارة يعتبر ربا لكن اذا اشتريت السيارة من البنك فللبنك حق الربح مهما بلغ. يعني لو انك لنقل اقترضت مبلغ 30 الف دولار لشراء سيارة على ان تعيدها على دفعات شهرية مقدراها 500 دولار خلال خمس سنوات مع فائدة سنوية ثابتة مقدارها 2%  فانك ستدفع ماقيمته تقريبا 31635 دولار وهذا حرام لانه يعتبر ربا ولكن اذا اشترى البنك السيارة ب 30 الف دولار وباعكها ب 50 الف دولار فهذا جائز لانه تجارة. قل لي بربك أيهما أثقل على كاهل المسلم الربا الحرام أم التجارة الحلال؟ وايهما أكثر جشعا واستغلالا للناس المرابي الكافر أم التاجر المؤمن؟ وهل المصرف الربوي ام اللاربوي أكثر اسهاما في تطوير الاقتصاديات الاسلامية؟ 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي