: آخر تحديث

مفرقعات كورونا

8
10
8
مواضيع ذات صلة

دارت الأيام، لكن دورتها اليوم ليس مثل دوراتها السابقة. وحياتنا لا تشبه ما اعتدنا عليها. هناك صورة تآلفنا معها في الحياة كأنها حلم أو كذبة نيسان، فقد تغيرت عادات البشر، وسبحان مغير الأحوال والعادات، في السر والعلن. عندما استيقظنا وأمامنا الملعون فايروس كورونا يصادر أحلامنا وأيامنا وذكرياتنا، يجمعنا ويفرقنا، ويؤسس لنا نظاما حياتيا جديدا فيه من المضحكات ما يبكي، وما يبكي يضحك حتى ذرف الدموع. وصدق من قال زمن (ماشي بالمقلوب).

فما يقال عن هذا الزائر المتطفل الانتهازي بلغة الطب ليس كائنا حيا، ولا ينمو من تلقاء نفسه إلا بعد أن يجد أرضا خصبة للحياة، وقد وجدها عندنا نحن البشر مع الأسف، ليجعلنا جاثمين في بيوتنا نخشى حتى التنفس. ترهبنا العطسة، وتبعثرنا كحة عابرة. ونقتدي بما قاله العالم الطبيب ابن سينا قبل ألف سنة (الحجر لمدة أربعين يوما) وان (الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر بداية الشفاء).
مثلما للكورونا مبكيات، هناك مضحكات مبكيات. ويبدو أن طول ساعات حظر التجوال جاءت بنتائج إيجابية، وأعادت بعض مظاهر التآلف والتلاحم التي قاربت على الاندثار. كما جعلت الكثيرين يكتشفون مواهب ومهارات لم يكونوا يعرفونها عن أنفسهم. فمثلا تسابق العديد من الرجال على إظهار مهاراتهم في الطبخ وعمل الكبسة والدولمة والمحشيات بأنواعها. وتحولوا في ليلة وضحاها إلى مواقع لا تناسب شخصية (سي السيد) الشرقي المتجبر الذي صاغ شخصيته نجيب محفوظ، بل أصبح موضع تندر لمواقع التواصل الاجتماعي. الرجل الذي تحول إلى منظف الصحون والبلاطات، وطباخ البيت الماهر، والأقسى إن يتحول (الزلمة) إلى خانع يتقبل ضرب زوجته بأريحية نادرة الحدوث من باب (ضرب الحبيب زبيب)!

المهم إن كورنا (لخبط) الحسابات، وجعل بيوتنا ساحات حروب عائلية، ومجمعات لمدارس وجامعات يمارسون الأبناء دروسهم عن بعد. فما الذي نتوقعه داخل هذه البيوت غير العويل والصراخ والضجيج ومناكفات الأزواج، خاصة عندما تكون البيوت صغيرة، وتمتلئ بالأبناء بعدد فريق كرة القدم. مثلما وجدت بعض التغريدات الطريفة بأن حفلات الزفاف في زمن فيروس كورونا المستجد، هو (فرصة تأتي مرة واحدة بالعمر)، ويجب أن يستغلها الرجال، لتفادي مصاريف حفلات الزفاف والمعازيم. 

وبينما يواصل فيروس كورونا المستجد انتشاره حول العالم مع تسجيل مزيد من الإصابات والوفيات، تنتشر فتاوي وخزعبلات رجال الدين في العالم بمواقف غريبة مقززة، لنشر الخرافات والأكاذيب. وكلها تجمع على فكرة إعلان ظهور المسيح، وظهور المهدي الغائب، وظهور (قيام الساعة ونهاية العالم). وقد وصلت احدى الخرافات الطريفة ما نصح به أحد علماء المسلمين في إيران باكتشاف علاج جديد يقضي بدهن فتحة الشرج بزيت البنفسج قبل الخلود إلى النوم. وهناك من يجعل من عباءة البعض وملابسه الداخلية علاجا فعالا للشفاء. ووصل الأمر إلى إن بصقة أحدهم صارت تتجول في المستشفيات لتصبح مادة فعالة أكثر من دواء الكلوروكوين.

ومن شر الكورونا ما يضحك تلك الدعابات والمرح والأشعار والتعليقات وأغاني الغزل بكورونا التي ابتدعتها عفوية المجتمعات العربية للتخفيف من وطأة الكآبة والحزن والعزلة الإجبارية. وبخفة دم معهودة أطلقت مجموعة من الفنانين المصريين الشباب أغاني عن كورونا مستوحاة من مجموعة من الأغاني الشهيرة مثل (عطسة غريبة) على لحن أغنية (حاجة غريبة) لعبد الحليم حافظ، وشادية، وكذلك (أنا مصري أصيل مفيش في جيبي منديل) على لحن للمطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم. و(فيرس 1) على لحن أغنية (نمبر وان) لمحمد رمضان. بينما نشطت نكات السخرية والتهكم. وكانت اشدها تهكما تلك التي تقول (كل شيء وصلنا من الصين تقليد إلا الكورونا طلعت اصليه) ،وهناك من قال بسخرية ممزوجة بفكاهة نادرة (يجيك واحد محترم يقول لك: قشر ثوم، واعصر فوقه ليمون، ورشّه بملح وفلفل أخضر حار مطحون، وشوية زيت زيتون، وكل منه كل يوم 3 مرات، بتشفي من الكورونا. وإذا أنت رجّال أقنعه إن هذي تتبيلة الفول)!
الشيء الأجمل إن هناك من يرى بان كورونا أعاد المفهوم القديم للحب، الحب بالمراسلة، الحب العذري، الحب الأفلاطوني، ورسم قلوباً مجروحة على الشجر، وسهاماً منغرسة بالقلوب، حيث قصائد الوله والشوق تبرز جمالا في زمن الوباء، فالحب في زمن الكورونا، مثل (الحب في زمن الكوليرا) للروائي ماركيز، وليس هناك أجمل من أن تنام مستلقياً مثل ذكر البط، تستعيد الذكريات الجميلة التي مضت، ومستمتعاً بأغنية (بعيد عنك حياتي عذاب …)، وتنسى الكورونا الصينية والمعكرونة الإيطالية!
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي