: آخر تحديث

نهاية سيناريو عزل ترامب: خاسرون ورابحون

20
22
16

يقف الديمقراطيون الأمريكيون والنظام الايراني في صدارة الأطراف الخاسرة من تبرئة ساحة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافلاته من المحاكمة البرلمانية لعزله بفعل تصويت بالأغلبية للجمهوريين في مجلس الشيوخ لمصلحته.

والحقيقة أن التصويت قد جاء بمنزلة تدشيناً قوياً لحملة اعادة انتخاب الرئيس ترامب لولاية رئاسية ثانية، حيث طوى تصويت مجلس الشيوخ أي رهانات كان ينتظرها الملالي لعزل الرئيس، وهي رهانات كانت معدومة منذ بداية طرح فكرة "العزل" من جانب ديمقراطيي مجلس النواب الأمريكي، ولكن لم يكن أمام النظام الملالي سوى الرهان على  مثل هذه الاحتمالات في ظل غياب البدائل او انعدامها أمامهم في التعامل مع استراتيجية الرئيس ترامب حيالهم؛ فالحقيقة أن نظام الملالي بات يعاني أزمة بدائل حقيقية في التعامل مع البيت الأبيض لأن التحليل الواقعي الآن يقول أن الايرانيين أمام احتمالات كلها أسوأ من بعضها، ولم يعد أمام النظام سوى المفاضلة بين سىء واسوأ في التعامل مع الرئيس ترامب.

أول البدائل المتاحة امام النظام الايراني محاولة الهبوط من أعلى الشجرة التي صعد إليها في إدارة الأزمة مع واشنطن عبر التشدد والتطرف ومحاولة خلط الأوراق بالتهديدات العسكرية والممارسات الاستفزازية، ورغم أن الملالي قد آثروا السلامة ولجأووا إلى رد محسوب وحذر على عملية قتل الجنرال قاسم سليماني، ولعقوا  وابتلعوا كل تهديداتهم ووعيدهم، فإن الرئيس ترامب لا يزال يضع النظام الايراني في زاوية حرجة ولن يتنازل عن تنفيذ أهداف العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة كي يثبت للجميع صواب منهجه وفلسفته في إدارة الأزمات عبر استراتيجية عقوبات صارمة، وبالتالي فليس أمام الملالي سوى الاستسلام للضغوط الأمريكية ومنح الرئيس ترامب تنازلات يقدمها للرأي العام الأمريكي لتعزيز موقفه في السباق الانتخابي المقبل (نوفمبر 2020). 

أما البديل الثاني المتاح أمام نظام الملالي فهو الخيار المجهول بكل المعايير، أي تحمل قسوة العقوبات وانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، رغم ماتشير إليه المؤشرات كافة من ارتفاع فرص الرئيس ترامب في الفوز بولاية ثانية، ولكن هذا الانتظار يحمل فرص وتحديات في آن واحد، فالولاية الثانية للرئيس ترامب قد تجعله أكثر تحرراً في التعامل مع الملالي، ولكن هذا التحرر ربما يعني أن يكون أكثر عنفاً وصرامة وشراسة في الرد على استفزازتهم المتكررة، أو أن يكون أقل خضوعاً للحسابات والاعتبارات والقيود الانتخابية وبالتالي ميلاً للموائمات السياسية وكتابة اسمه في التاريخ عبر صفقات سياسية لا عمليات عسكرية.

الديمقراطيون الامريكيون أيضاً هم الطرف الآخر الأكثر تضرراً من افلات ترامب مع مخطط العزل، فرغم أن نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي والمحيطين بها كانوا يدركون منذ البداية ضعف فرص تمرير خطط عزل الرئيس ترامب في ظل التركيبة  السياسية الحالية لمجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريين الذين لم يخفواً نيتهم رفض فكرة العزل ونسفها من الجلسة الأولى، فإن الديمقراطيين قد مضواً في مخططهم بهدف تشويه الرئيس ترامب والانتقاص من فرص فوزه بولاية رئاسية ثانية واضعافه من خلال احاطته بكم كبير من الاتهامات والشكوك بحيث يخرج من معركة العزل مثخناً بالجراح، ولكن ماحدث أن الرئيس لم يواجه الشكوك والطعنات السياسية بل لم يواجه أي اتهامات حقيقية داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، وتمت تبرئة ساحته بسرعة شديدة.

لم تتحقق إذاً رهانات الديمقراطيين وأهدافهم من محاكمة الرئيس ترامب، بل ربما يكون قد خرج من هذه الجولة أكثر قوة وتصميماً وخبرة ونضجاً سياسياً من ذي قبل، وبالتالي فإن الديمقراطيين قد وضعوا هدفاً في مرماهم بهذه الطريقة، ويتوقع أن يخصصواً وقتاً طويلاً للدفاع عن اخفاقهم في الدفاع عن موقفهم ومبرراتهم في موضوع المحاكمة، التي ستلتهم جزءاً كبيراً من فرصهم السياسية في أي استحقاق انتخابي خلال المدى المنظور.

يستطيع الرئيس ترامب الآن في  حملته الانتخابية الادعاء بأن خصومه الديمقراطيين لم يستطيعوا هزيمته سياسياً فلجأوواً إلى حيلة "العزل"، وهو مافعله فريق الرئيس ترامب عقب انتهاء موضوع المحاكمة البرلمانية، بوصف القضية برمتها بأنها "إعتداء خطير" على الديمقراطية، كما اعتبر المساءلة محاولة "سافرة" للتأثير على انتخابات الرئاسة المقبلة. ولعل في وأد المحاكمة سريعاً في مجلس الشيوخ فرصة مثالية للرئيس ترامب للاستفادة من نتائج ماحدث وتوظيفه في حملته الانتخابية ليتحقق بذلك ماتوقعه زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونل حين قال إن سعي الديموقراطيين لعزل ترامب من منصبه كان خطأ فادحا سيصب ـ على الأرجح ـ في مصلحة الجمهوريين، معتبراً أن العزل بات "قضية خاسرة" للديموقراطيين، مضيفا "اعتقدوا أنها فكرة سديدة. إنّه، على المدى القصير أقله، خطأ سياسي فادح".

صحيح أن الديمقراطيين لا يزالون يجادلون بأن تبرئة ترامب "لا قيمة لها عمليا" استناداً إلى أن الجمهوريين رفضوا استدعاء الشهود في محاكمته، ويحاولون التشكيك في الموضوع من زاوية عدم وجود محاكمة نزيهة من الأساس للرئيس، ولكن الحقيقة أن الرئيس قد نجح في تفادي مصيدة بيلوسي وزملائها الديمقراطيين، وأن رهان خصومه على وصمه بأنه ثالث رئيس يتعرض لمحاولة العزل، لن يكون له قيمة حقيقية أو تأثير فعلي في التصويت الانتخابي على هوية السيد المقبل للبيت الأبيض.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي