: آخر تحديث

الإسلاموفوبيا ... معبد هندوسي في الإمارات

4
4
3
مواضيع ذات صلة

كل التحية والتقدير لولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لموافقته على بناء أول معبد هندوسي في أبو ظبي ... هذا الحدث التاريخي قد أبهر العالم أجمع وجعل الناس يفهمون أن الفهم الصحيح للإسلام يختلف بالتمام عن مفهوم الإسلام عند جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات الجهادية.. 

وهنا يجب على شيخ الجامع الأزهر أن يتقدم بالشكر لدولة الإمارات العربية المتحدة التي قامت بهذا العمل العظيم والذي يسهم في تخفيف وطأة ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تزعج فضيلة الإمام كما صرح بذلك في احتفالية يوم ليلة القدر بالقاهرة. إن هذا العمل التاريخي الخالد من شأنه أن يصحح مفاهيم الإسلاموفوبيا... هذا الإنجاز الذي تم بفعل إرادة مستنيرة لحاكم راشد مستنير لشعب مستنير. 

نعم لقد غمرتني سعادة لا توجد مصطلحات في القواميس العربية تعبر عنها... فلطالما كان الحلم أن تصل الدول العربية إلى نفس مستويات الثقافة العالمية التي تقبل الآخر ـ أي آخرـ وتحترم خصوصيته العرقية،والنوعية، والدينية، وتتعامل معه كإنسان كامل له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات.

في الحقيقة أنني كتبت عن هذا الموضوع في جريدة إيلاف في السابع والعشرين من سبتمبر العام 2012 بعنوان "معبد بوذي في وسط القاهرة". ولقد كنت على يقين أن هذا الحلم سيصبح يوما ما حقيقة وها هو يتحقق الآن على أرض دولة الإمارات الشقيقة.... ذلك لأن القيم الإنسانية الأصيلة هي التي سوف تنتصر وحتى ولو تأخرت علامات النصر. 

إن الدارس الأمين لمنهجية التطور الوعي للإنسان ربما يكتشف المعادلة الرياضية التي تربط بين مفاهيم الأصنام المادية المرئية في الأديان الأرضية ومفاهيم العبادات الطقسية والأصنام الفكرية غير المرئية في الأديان السماوية.

وبعيداً عن العبادات الطقسية ربما يكتشف أيضا مفهوم جمعي لكل القيم التي تقدمها هذه الأديان أرضية كانت أم سماوية ... هذا المفهوم يهتم بالحياة البشرية وكيفية جعلها أفضل .. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن "الدين من أجل الإنسان وليس العكس".  

أليس رائعا أن نجد الديانة الهندوسية والتي ظهرت قبل الميلاد بحوالي خمسة عشرة قرنا، وهي الأكبر في العالم بعد المسيحية والإسلام والبوذية من حيث عدد أتباعها؛ ترتكز على مفهوم الحكمة الكامنة داخل أعماق النفس البشرية والتي تستوجب من الإنسان أن ينتزعها من ذاته بإرادته الذاتية، فلن يمنحها أحداً له مهما على شأنه!!

بهذا الفكر يمكن القول إن هذه الأديان التي نسميها أرضية قد توصلت إلى أهم قوانين الفيزياء الكونية " أن الخير يولد الخير وأن الشر يولد الشر". وبمرور الزمن وتطور العقل البشري استبدل الفلاسفة هذه الفكرة بمبدأ "نسبية الخير والشر"... فما يعتقده الإنسان شراً من الممكن أن يحمل داخلة الخير والعكس أيضاً صحيح.... ثمجاء فولتير بحكمته الخالدة الشهيرة " لا يوجد شيء سيء في ذاته أو طيب في ذاته وإنما فكر الإنسان يجعله أحدهما".  

بيد أن أهم ما جاء في تعاليم هذه الأديان هو مبدأ "السلام الداخلي" والذي لن يتحقق إلا بعدم ازدراء الآخر إنسانا كان أم حيواناً، وأن يبتعد عن الكذب والسرقة والقتل وكل الخطايا التي يعرفها أصحاب ما تسمى الأديان السماوية. لعلنا نتذكر القول الخالد للفيلسوف اليوناني سقراط قبل الميلاد " إن الإنسان التقي ليس ذلك الإنسان الذي لا يؤذي الآخرين بل الذي يحتمل الأذى الذي يأتيه منهم". وبالمناسبة يوجد بمتحف الفاتيكان تمثالاً له. 

في تصوري العلمي أن أفضل قيمة يمكن أن نستلهمها من هذه الأديان الأرضية هو مبدأ أن الإنسان مسؤول عن تصرفاته ويجب أن يتصرف بما يُرضي ضميره، ولا يجب أن يلوم الطبيعة أو الآخر. ويجب على الإنسان أن يتوافق مع قوانين الفيزياء. فعلى سبيل المثال فإن الماء يتدفق من فوق التل إلى الأسفل.... والنار ساخنة دائماً .... ومهما قدمنا من صلوات لجميع الآلهة فهي لن تستطيع أن تجعل الماء يصعد التل، ولن تملك أن تجعل النار باردةً. ذلك لأن في الحياة قوانين تجعل هذه الأشياء كائنة على ما هي عليه. هل يستطيع كائن من كان أن يجعل الأرض تعكس اتجاه دورانها حول مركزها؟ هل تستطيع أية قوة أن تخفي نور الشمس؟ فما يتم حدوثه لا يمكن إلغاء حدوثه.

هل يستطيع أحد أن ينكر أن التغيير هو القانون المهيمن على هذا الكون. فالمادة تتغير وتتحول من مادة إلى مادة أخرى. والإنسان أيضاً يتغير في كل لحظة. حتى أن معتقدات الإنسان تغيرت على مر التاريخ ومازالت تتغير. وما كان الإنسان يعتقد انه حقيقة في الماضي يعتبره اليوم خرافة وما أدراك فيما سوف يعتقد الإنسان بعد آلاف السنين!

في الواقع إن معظم المشاكل والصراعات الموجودة في العالم الآن هي نتيجة مباشرة للتمسك بالنص بدون الفهم الصحيح المتلازم مع استحقاقات المكان والزمان. ولذلك ليس من سبيل لأية دولة تريد أن تلحق بركب الحضارة والحياة الكريمة إلا التمسك بخيار إقامة دولة المواطنة الكاملة .. دولة مدنية تحمي حرية العقيدة لكل مواطنيها، وحقهم في ممارسة شعائرهم كما يؤمنون، وإقامة دور العبادة للجميع أيا كانت بتكافؤ ومساواة. دولة لا تغلب دين على دين آخر، دولة لا تحجب المعرفة عن مواطنيها بل على العكس تعمل على حمايتهم من الجهل.. دولة تشجعشعبها على إعمال العقل والتدبير.. لن تستقيم الأمور إلا بدولة يتصالح فيها الإنسان مع أخيه الإنسان بغض النظر عن اختلاف العقول والنصوص والثقافات والأجناس والمعتقدات والأديان. وكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد افطر المبارك.

[email protected]


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي