: آخر تحديث

هل تُغيّر اخبار الواتساب الافكار السياسية؟

23
23
26
مواضيع ذات صلة

ثمة تحدٍ كبير وخطير في الوقت الحالي يجابه مواقع التواصل وتطبيقات التراسل الفوري يكمن في كيفية التعامل مع الاخبار الكاذبة والمزيفة التي تنتشر في هذه المنصات وتتسبب في التشكيك في جدوى هذه المواقع وتأثيراتها " الحقيقية " على المستخدم، وتؤدي الى حدوث مشكلات تتعدى بعدها الاجتماعي الى السياسي والامني والاقتصادي على حد سواء .

مواقع التواصل الاجتماعي حاولت بقدر الامكان احتواء ومعالجة المشكلة ومايترتب عليها من تداعيات من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي او جملة اجراءات تقنية ارادت من خلالها التقليل من كمية الاخبار الكاذبة التي تنتقل فيها، وقامت في سياق اجراءاتها التقنية، بوضع خيارات لمساعدتها في تشخيص هذه الاخبار عبر المستخدم الذي يساهم تبليغه عن الاخبار الكاذبة في الكشف عنها وتحديدها حتى تتخذ تلك المواقع موقفا من الخبر والصفحة التي تروج له.

ولان الأخبار الكاذبة لديها فرصة الانتشار 70% أكثر من الأخبار الحقيقية، بحسب ماجاء في تقرير لباحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ، فإن مواجهة الاخبار الكاذبة وقطع الطريق عليها أمست احدى القضايا الخمس الكبرى التي وضعت الفيسبوك خططاً لمعالجتها والتعامل معها في عام 2019، كما اشارت الى ذلك مديرة العمليات في الفيسبوك شيرلي ساندبيرج في مؤتمر  DLD في ميونخ، ولذلك قامت الفيسبوك بتعيين 30 الف موظف لفحص المنشورات المتعلقة بخطاب الكراهية والاخبار الكاذبة .

النقاش حول الاخبار الكاذبة عموما لايكتمل دون الحديث عن أثر هذه الاخبار في تطبيق الواتساب، وهذه الاخيرة لانستطيع التحدث عنها دون المرور بالهند الذي يعد احدى الدول المهمة بالنسبة لشركة الواتساب، حيث ناهز عدد المستخدمين فيه 200 مليون مستخدم، وكان للاخبار الكاذبة تداعيات خطيرة فيه، ادت لحوادث قتل كثيرة بسبب اخبار معينة تم تناقلها في التطبيق، لذلك قامت الشركة بجملة امور في هذا البلد منها نشر ارشادات تم توزيعها في الهند بنسخة ورقية، تتعلق بكيفية التعاطي مع الاخبار الكاذبة والمعلومات المزيفة بعنوان " معاً ..نستطيع مكافحة المعلومات الكاذبة" شرحت فيه بعض الخطوات البسيطة لمساعدة المستخدم في كشف الاخبار الكاذبة التي تصله في الواتساب، وقد ناقشت هذه القضية بالتفصيل في مقالي " ارشادات الواتساب الرسمية للتعامل مع الاخبار الكاذبة "، فمن يرغب بالتفصيل عليه الرجوع اليه.

وفي سياق هذه الاجراءات، قللت الواتساب من اعداد الرسائل المحولةforward  في الواتساب من عدد لامحدود الى عشرين ثم الى خمسة، منعا لانتشار الاخبار الكاذبة، وقد اختبرت الخاصية واول تجربة لها كانت في الهند للاسباب التي تطرقنا لها اعلاه، بل ان الخاصية التي ستتواجد، بحسب التسريبات ، هي امكانية منع اي عضو مجموعة من نشر رسالة محولة له من قبل مدير المجموعة، وكل هذه الخصائص تكشف عن جدّية الواتساب في محاولة السيطرة على تناقل الاخبار الكاذبة .

الباحثون المختصون في هذا المجال حاولوا الولوج في ثنايا هذه المشكلة من اجل معرفة الآثار المترتبة على المتلقي الذي يستقبل يوميا عشرات الاخبار الكاذبة في تطبيق التراسل الفوري الواتساب لدرجة اصبح احيانا من الصعوبة بمكان تحديد الخبر الصادق من الكاذب والمعلومة الصحيحة من المزيفة.

وفي هذا الاطار انبرى فريق من  المختصين في جامعة اسكس البريطانية برئاسة الباحث الهندي المقيم في بريطانيا الدكتور سايان بانيجري لغرض دراسة كيف تؤثر الاخبار التي يتم تناقلها في الواتساب على المصوتين في الهند، وطريقة تأثيرها على السياسة والصراع العرقي والسياسات العامة وكل مايتعلق بهذه القضايا.

البحث الذي تموله شركة الفيسبوك يتضمن اكثر من مرحلة وسيتضمن زيارات لعدة دوائر انتخابية في اكثر من ولاية وسيكون مصحوبا باستبيانات حول اثر اخبار الواتساب الكاذبة على المصوتين في الهند وحجم هذا التأثير .

وبسبب مايتم نقله في مواقع التواصل والاخبار حول تأثير  الاخبار الكاذبة على الصعيد السياسي ، فان اغلب الاراء تعتقد بان الاخبار الكاذبة والمزيفة التي يتم تتناقلها من حساب لاخر ومن مجموعة لاخرى على الواتساب تساهم في تغيير الافكار والمفاهيم السياسية لدى المواطن بل ربما تقوم بتبديل او التلاعب بخيارات الناخب السياسية قبل الانتخابات .

ولكن جاء بحث امريكي وكشف خلاف ذلك، حيث اشار الباحث بانيجري الى بحث سياسي تم كتابته مؤخرا في الولايات المتحدة الاميريكية اكد على ان الاخبار الكاذبة تقوم بتعزيز وتقوية المعتقدات السياسية السائدة لدى الفرد، وهي لاتجعل الشخص يغير رأيه ابدا فيما يتعلق بخياراته السياسية . 

ويبدو ان بانيجري وفريقه على اقتناع بنتائج هذا البحث، لذلك تجده يؤكد بان الانسان، وبسبب تأثير الاعلام ومايُقال، لديه ميول لاعتبار الاخبار الكاذبة كمرض ، اما نحن فنحاول ان نبرهن على ان الاخبار الكاذبة مجرد حافز ف“ الشيطان موجود في داخلنا “ !

وهذا يعني ان الخبر الكاذب الذي يتم تمريره للاخرين في الواتساب لايقوم بدور تغييري حاسم في الخيار السياسي للمتلقي بل مجرد يزيد من اعتقادات الفرد السياسية تجاه فكرة معينة او ضد فكرة معينة.

ومن غير ادنى شك ان مشكلة الاخبار الكاذبة ليست بالجديدة ولاتتعلق بالعصر الرقمي الحالي، فهي ظاهرة قديمة لكنها تختلف، في تمظهراتها، بحسب الوسائل والادوات التي يتم استخدامها في التسويق لهذه الاخبار. 

ويرى بانيجري بان الاخبار الكاذبة اداة بيد الحكومات للسيطرة على الرأي العام للمواطنين، ولكن مع دخولنا للعصر الرقمي وانتشار شبكة الانترنيت واستعمالها من قبل الكثير خلال هواتفنا الذكية ، فان انتشار هذا النوع من الاخبار اصبح على نحو اكثر من السابق، وامسى من الصعب بالنسبة للحكومات السيطرة عليه، ونتيجة لذلك اصبحت الحكومات، نفسها، خائفة من هذه الاخبار لانها  أصبحت عاجزة عن السيطرة عليها.

وتكشف محاولة تحليل اسباب نقل الاخبار الكاذبة في الواتساب، في اول تشخيص، عن المستوى غير المهني او الاخلاقي  الهابط او الادراكي الساذج لمن يقوم بتوزيعها والتسويق لها، وهذا الشخص قد يعلم بحقيقة الخبر ومقدار نصيبه الضئيل من الحقيقة  او انه يجهل ذلك ويقوم بتمريره بسبب بساطة تفكيره وعدم قدرته على تمييز مصداقيته، وهو الموضوع الذي يحتاج لمقالة تفصيلية اخرى. 

خلاصة الكلام : الاخبار الكاذبة في الواتساب لاتجعل  الانسان يبدل عقيدته السياسية ويعتنق مبدأ اخرا، بل هي تقوم باخراج " اسوأ مافينا من نزوات " على حد تعبير الباحث الدقيق جدا في بعده النفسي العميق الدلالة .

 

باحث في مواقع التواصل الاجتماعي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي