: آخر تحديث

عندما تكون العادات الاجتماعية أفضل من القوانين

3
3
2
مواضيع ذات صلة

صدق الداعية السعودي سلمان العودة عندما قال:"تكوين العادات الطيبة في الناس أهم من وضع القوانين العادلة، فمع العادة يصبح الالتزام تلقائياً، وإلا فأي جدوى لقانون لا يطبق" وهذا ما لاحظته في تركيا منذ مكوثي فيها بـ:2014، وخاصةً مدينة اسطنبول مقارنةً بسورية التي قضيت فيها كل سنوات عمري تقريباً، حيث أنه غير الخدمات الكبيرة التي تقدمها البلديات لأهالي البلد في تركيا، وغير النظافة والحضارة العمرانية الواضحة المعالم في أكثر الأماكن التي يزورها المرء في اسطنبول، إلاّ أن ثمة ثلاثة أشياء متعلقة بسلوك الناس وممارساتهم اليومية فيها لفتت انتباهي بشدة، ثلاثة عادات اجتماعية ماثلة للعيان بالنسبة للزائر أو المقيم، ويستحق مواطنو هذا البلدالتقديرَ على تقيُّده بها وهي:

أولاً: من محاسن العادات الاجتماعية التي عاينتها  في تركيا خلال السنوات الماضية والتي استخدمت خلالها مختلف أنواع وسائط النقل والمواصلات، من الدولمش إلى المينوبيس مروراً بالأوتوبيس ومن ثم التروماي والمترو وصولاً إلى عبّارات النقل البحري، عدا عن الشوارع والساحات العامة، فلم أصادف شخصاً أو كجموعة أشخاص من الأتراك يضايقون إمرأة أو يلاحقون فتاةً، أو يتبعون أثر أنثى من باب التحرش بها، علماً بأن القوانين الواردة في الدستور السوري ليست أقل تقدماً من القوانين المعمول بها في تركيا، ولكني حيال هذه العادة السيئة بشكل مطلق، وبدلاً من التعويل على الرأي الشخصي فيها، سأستشهد بالدراما التلفزيونية باعتبارها انعكاس مباشر لحياة أي مجتمع كان، إذ من خلال بعض حلقات المسلسل المتصل المنفصل "بقعة ضوء" وخاصة حلقة بعنوان "وحياة اللي خلقك" التي كانت من تأليف دلع ممدوح الرحبي، وتمثيل كل من الممثل أيمن رضا والممثلة كاريس بشار، نعاين الفارق الجوهري عقب مقارنته، بما أن الحلقة  تُظهر عبر تعدُّد اللقطات والمشاهد، أن التحرش بالنساء في بلادنا عادة اجتماعية صرفة لا علاقة لها بقوانين البلد، وليس لها علاقة بالهندام والملابس المثيرة أو المحتشمة كما يدّعي بعض المتدينين وكذلك بعض المهووسين بملاحقة الجنس الآخر، وذلك من خلال تصرفات المتحرش وإصراره على التحرش بالمرأة مهما كان نوع هندامها أو شكل ثوبها، فنشاهد ذلك من خلال تغيير الممثلة لملابسها في كل مشهد تمثيلي، حتى وصل الأمر بالممثلة ـ التي تنقل لنا صورة منتقاة ولكنها طبق الأصل عن الواقع ـ إلى التخلي عن نمط هندامي كامل لكي تتجنب التحرش، ولكن يبقى المتحرش كما هو ماضٍ في سفالته وتطاوله، فتتنازل الأنثى عن البهرج، وعن الأناقة، وعن كل رداءٍ يُظهر جمالها أو مفاتن جسدها كرمى التخلص من إزعاجات المتحرش، ولكنه يبقى على ما هو عليه، ولا يمنعه من مشروعه الأبدي لا الثوب القصير ولا الطويل، لا الاكسسوار المكشوف ولا المغلق، ولا ثمة موديل معيّن من الزّي  يثني المتطاول عن هدفه الوضيع، حيث تجرّب الممثلة للتخلص من ملاحقاته ملابس محتشمة جداً، ولكن لا فائدة مع مَن كان نصب عينه الأنثى أياً كان الرداء الذي تتلحف به، إذ حتى النقاب الكامل لم يمنع الكائن الذكري من مطاردتها والتحرش بها وهي بكامل سوادها من الرأس إلى القدمين، والحلقة من كل بد تحاكي بحِرفية عالية ما يجري في المجتمع السوري، مع العلم أن ظاهرة التحرش الجنسي موجودة بكثرة وبأشكال مثيرة للاشمئزاز في الشوارع والأماكن العامة بمصر والسعودية، علماً أن تلك المجتمعات تحكمها قوانين وضعية وسماوية، دنيوية موضوعة منذ أيام خضوع تلك المجتمعات للقوانين التي وضعها الفرنسيون والانكليز، وسماوية باعتبار أنها بلاد إسلامية صرفة، ولكن مع كل ذلك لا قوانين الأرض، ولا شرائع السماء ردعت المتحرشين، أو منعت إنتشار تلك الظاهرة القميئة وبشكل فظيع هناك، بينما في تركيا فالذي منع وجود تلك النماذج المقرفة في مجتمعها هو العادة والعرف الاجتماعي وليس الدين أو القانون.

والميزة الثانية: تكمن في ملاحظة طوابير الانتظار التلقائي في الهواء الطلق أمام الاتوبيسات أو السرافيس أو الميكروباصات، أثناء حرارة الصيف وأوان زمهرير الشتاء، وقد يأتي مَن يقول بأن هذه من الأمور الاعتيادية في أوروبا، ولكني أركّز عليها بكوني في بلد مسلم ومتاخم لسوريا، سورية التي قد يستهجن الكثير من مواطنيها مَن يرون لديه شيء من الإلتزام الذاتي بالقيم المدنية والقوانين، وكمثال شخصي على ذلك، أذكر أنه كان لي صديق يدير مخبزاً آلياً وسط مدينة حلب في حي المنشية، وكنتُ عندما أريد بعض ربطات الخبز أشتري من الكوة المعتادة التي يقصدها عامة الناس، ولا أقصد الباب الخاص المفضي للمخبز إلاّ في الزيارات الخاصة لذلك الصديق، ولكن أحد معارفي استخف بتصرفيمرتين رآني فيهما أقف أمام الكوة بغرض شراء الخبز، ولا ألتفت إلى الباب الخلفي الذي يقصده عادة رجال الأمن وكل من يعوّل على الوساطة في تسيير أمور حياته من أعظم الأمور نزولاً إلى مستوى شراء ربطة الخبز، وذلك باعتبار أن صديقي أبو عبدو كان يدير المخبز آنذاك قبل أن تعصف به ألسنة المعارك ويصبح لاجئ في أوروبا؛ ولأن كل المواقف السلبية بهذا الخصوص لا تزال تمر آمامي كشريط مصوَّر، لذا كلّما رأيتُ الأتراك في طوابير طويلة صيفاً شتاءا وهم قيد الانتظار، حتى أوان الرغبة بركوب التكسي الخصوصي، فأحترمتهم أكثر على هذه العادات والأعراف الحميدة، وأزداد احتقاراً للكثر من مشاهد بلدي وجوانب من الثقافة الاجتماعية المتخلفة فيه والتي تشير صراحةً إلى التقهقر اليومي نحو الخلف رغم تقدم الزمن.

والميزة الثالثة: من بين العادات التي رفعت من شأن المجتمع التركي بنظري كمواطن أجنبي، هو أني ومنذ أزيد عن أربع سنوات أستخدم فيها وسائط النقل،وخاصة الدولمش المدني، فأسمع أصوات بعضهم عندما يناولون السائق نقودهم وهم يقولون له كلمة "öğrenci" بمعنى طالب، إذ أنه ولمجرد قولهم بأنهم طلبة يُخفِّض السائق من أجرة ركوبهم الحافلة، ولم يحدث أمامي أن شكك سائق ما بطالبٍ أو طالبه، ولم ألاحظ سائقاً طلب من راكبٍ قال بأنه طالب هويته ليتأكد منها إلاَّ في 9/2/2018 وكنتُ حينها على مقربة من السائق الذي ركبتُ حافلته من حي "بكر كوي" قاصداً "بغجيلار ميدان" فصعد في الطريق شاب وناول السائق نقوداً مع تذكيره بأنه طالِبْ، وعلى غير العادة طالَبَ السائق بالهوية التي تدل على أنه طالِب بكل هدوء، ولكن بدا لي أن الطالب تفاجأ بالطلب، وراح يبحث في جيوب بنطلونه وسترته عن تلك الهوية الخاصة بالطلبة، ولكن يظهر بأنه لم يكن يحملها ذلك اليوم، وما كان عليه حينها إلاّ أن يناول السائق ما تبقى من المبلغ المستحق عليه بصمت، وبلا أي اعتراض منه، أو إلحاحٍ فج من السائق، والحادث مر بأريحية بالغة من دون حدوث شوشرة أو شد وجذب،ولا ظهرت أية آثار جانبيه بناءً على الموقف الحرج، ولا أدى الموقف إلى خلق إشكالياتٍ تزعج خواطر الركاب الآخرين، وذلك بكوني جالساً كنتُ في المقعدالملاصق لكرسي السائق، وأكاد أجزم بأنه ما من أحد من ركاب الميكروباص قد انتبه إلى ما جرى بين الطالب وسائق العربة غيري، وهنا أيضاً حاولت إسقاط الحادث على بلدي، ورحت أتخيل الاحتمالات التي من الممكن حدوثها بشكل فج لو كانت الواقعة في حافلة سورية مكتظة بالركاب، كما هو حال الحافلة التركيةالتي أشعرتني بأن العادات الاجتماعية المعمول بها بين الناس ههنا، هي بحق أكثر أهمية من كل قوانين بلادنا الموضوعة فقط في الأدراج أو المخزّنة في الحافظات الالكترونية، والتي رغم تذكيرنا بها كل حين،إلاّ أننا لا نلحظ مع كل سيمفونيتها الراقية، إلاَّبسلوكيات تدل على الفوضى والهمجية في معظم الأماكن العامة على طول ربوع البلد وعرضه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي