: آخر تحديث

قوة اللغة و التجديد

4
4
5
مواضيع ذات صلة

هنالك علاقة قوية بين اللغة و الانتاج فالذي ينتج هو

 الذي يسمي ؛ فعندما يولد طفل لأسرة فهم من يسمونه و نحن مجبرون بمناداته بهذا الاسم و للغة علاقة بالمستوى التعليمي فتجد من يتكلم العربية بطلاقة رغم انه حبشيا او تركيا ولنا في سيبويه افضل مثال وهو الفارسي. لقد انتبه سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم مبكرا لهذا  الطرح حين قال :

 (من تكلم العربية فهو عربي).. و وظفها احسن توظيف و هو النبي و الرسول و  القائد السياسي لهذه الامة.

اليوم اللغة لم تعد تحسب بعدد المرادفات و الفخر باننا لدينا خمسون اسم للصحراء و عشرون اسم للسيف و ستون اسم للكلب ، و كما قال الشاعر ابو العلاء المعري حين ارتطم به احد الأمراء العباسيين الشباب و هو داخل الي مجلس والده فقال الغلام و هو ينظر للمعري و كان المعري اعمي رث الثياب قال منزعجا  : (من هذا الكلب؟ !)..فرد عليه المعري : 

( الكلب الذي لا يحفظ ستين اسما للكلب ).

لقد كان الرد مفحما و في محله في حينها اما اليوم فلا معني ان نحفظ عدد المرادفات رغم اعتراض النحوييين مثل ابن جني بانه لا يوجد شيئ اسمه مرادفات في اللغة العربية بل ان لكل كلمة معنى حسب الزمان و المكان و الوقت و العمر فالصحراء تختلف من مكان لآخر ومن حيث انها رمل او حصى و الكلب يختلف من عمر لآخر و حسب النوع.

و هكذا و برغم تنوع و غزارة المفردات في لغتنا العربية  الا انها وقفت عاجزة عن ترجمة  "ساندوتش" لانها ببساطة لم تنتجها... بل و عجزت عن ترجمة كل ما هو جديد في  التقنية و العلوم  و نكاد  نقول اننا نعيش في حالة انفصال بين الواقع و اللغة الفصحة. 

فاليوم تكاد اللغة العربية  لولا انها لغة الدين الاسلامي و القران  ان تحتضر و تتجه رويدا نحو المتحف لحد ما.  و تواجه اللغة العربية عملية انقراض مثل كثيرا من اللغات لتوقفها عن الانتاج.. فلقد كانت العربية لغة حية حين  كان تنتج اللغورتيمات و الجبر و سميت باسمها حتي اليوم. 

فقوة اللغة تكمن في شيء أساسي و هو:

Capacity to Objectify. 

أي المقدرة على التسمية او التشيء   . 

و اللغة الفصحي اليوم قاصرة بصورة كافية.

 و هو قصور في متكلمي اللغة أيضا و كتابها .. فنسبة مشاركة  اللغة العربية في الشبكة العنكبوتية ( الانترنت ) لا تتجاوز 3%. 

 في اللغة الانجليزية  تولد و تدخل  كل سنة من الف الى خمس الاف كلمة جديدة التي ينحتها المتخصصون.. 

( وفق المراقب الدولي  للغة. 

The Global Language Monitor ) 

و غيرها في الالمانية...

لقد تابعث شخصيا ميلاد و دخول منذ اشهر مفردة جديدة على اللغة الانجليزية و هى كلمة :

 " Phubbing " 

مفردة جديدة  نحتها خبراء من تخصصات مختلفة في اللغة بـ استراليا للتعبير عن الشخص الذي يستخدم الموبايل اثناء حديثك معه.

Stop phubbing me.

و تعني : "توقف عن الانشغال عني بهاتفك ".

بينما نحن لا نذكر اخر مرة اضيفت كلمة للقاموس العربي. 

تقول اليونيسكو ان اكثر من الفين وخمسمائة لغة تتجه نحو الانقراض اليوم.  لأحياء اي لغة لابد من العودة للإنتاج الفكري ، فاللغة هي ظل الفكر و لسان حاله..  و ليس فقط الانتاج الفكري   بل و حتي الانتاج الصناعي  و السياسي و لان الإنتاج  لا يحدث الا في مناخ الحرية فلا إبداع و انتاج بدون حرية ، و  الحل من  وجهة نظري  هو إشاعة مناخ الحرية و الا لن يبقي لنا من اللغة الا القليل جدا.

اما بالنسبة  الخطاب اللغوي. (Discourse.)  

خاصة في الترجمة  للغات اخري غير العربية..مثل الانجليزية مثلا.. فالخطاب اللغوي  اشمل من اللغة لانه يشمل طرق التفكير و الثقافة السائدة و حتي العرف.. لذلك ان تترجم لغة بعيدا عن خطابها  اللغوي  لا يعطي قوة المعني بل احيانا تخرج الترجمة و  لا تعني شيئ ذو مدلول. 

عندما ترجم احد المستشرقين  الي الفرنسية بيت الشعر العربي :" مكر مفر مقبل مدبر  معا..كجلمود صخر حطه السيل من عل "... قال عنه   بعض الشعراء الفرنسين : 

هل هذا هو شعركم  المقدس ؟؟ هذا لا يعني شيء !!

و لان الترجمة لم تنقل الخطاب اللغوي  و ايقاع الكلمات و الصحراء و الجبل و الجواد و الفارس.. فلم تنقل المعني كاملا . 

في السياسة  يقع كثير من العرب  و من يلتقي المسؤولين الغربين في نفس الخطأ.. فهو يترجم لغته و خطابه اللغوي للغة اخري مختلفة  خطابا و ثقافة... فتصبح مثل نكتة الليبي   الذي ألتقى  أمريكيا فسأله  : من أين أنت ؟ فاجاب الامريكي : من واشنطن ؛  فرد الليبي : ( منين من الوشاطنة..  الفوقين او اللوطين )..  خطاب لا يمكن نقله للغة اخري ما لم تعرف الخطاب الثقافي الليبي بالكامل ..

لقد وقع كثيرون في هذا الفخ.. ليس فقط في اللغة بل في السلوك و التعامل... و مازال عدد من السياسين  لا يفرق بين اللغة و الخطاب اللغوي و يجادل بأدلة نقلية و ليست عقلية... ادلة نقلية لا يتفق معك فيها المتلقي كمن يريد ان يقنع مسيحي او بودي  بان لحم الخنزير حرام... 

 بينما المجادلة العقلية هي بالمصالح المشتركة و بالقانون الدولي و قوانين حقوق الإنسان و التجارة الدولية ؛  بعيد عن إرضاء غرور الشعوب المغلوبة بلغة خشبية لا  يفهما الغرب البرجماتي و لا تغني عن إشباع رغباته.  

و حتي لا نمارس نظرية الذهن  حيث نعتقد ان الاخر يعيش نفس ثقافتنا و ظروفنا رغم اختلاف المكان و الزمان و اللغة و الثقافة و الديانة و العرف..

كما لا يمكن الحديث عن اللغة دون الحديث عن النحو.. هذا العلم الذي جني عليه اليوم من قبل معلميه  الذين يبدوا انهم  لا يحبونه و لم يستطيعوا ان ينقلوه لنا كما عاش في عصر ازدهاره  في المدرستين الكوفية  و البصرية بقيادة الكسائي للاولي  و الثانية فيلسوف عصره سيبويه.

و هنا لابد من ان نفرق بين مصطلح لسان العرب و لغة العرب ؛ فاللسان هو تعبير عن الية التفكير اما اللغة هي الألفاظ و القواعد اللغوية التى يترتب بها التفكير للتوضيح و البيان و الافصاح للسامع و لذلك قال تعالى :  (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ... ) لذلك يجب التفريق  خاصة في الترجمة بين اللغة و الخطاب  اللغوي  قبل  نقل المعلومة للغات اخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي