: آخر تحديث

الموت الرحيم في أوربا

14
12
13
مواضيع ذات صلة

في عيادة أنيقة مطليه بألوان زاهية تبعث على البهجة والحياة في وسط مدينة بازل السويسرية، جلس عالم الأحياء الأسترالي "ديفيد جودال" لآخر مرة في حياته على أريكة حمراء مريحة، مستعدا للتوقيع على أوراق إنهاء حياته بالموت الرحيم وهو في كامل قواه العقلية، وجلس حوله عدد من أقاربه يوقعون على نفس الأوراق كشهود.

العالم الذي سئم الحياة بعد أن بلغ عامه ال 104 كان يستعجل الموت في العيادة، حتي أنه مازح أقاربه وهم مشغولون بتوقيع الأوراق قائلا :مالذي ننتظره هنا؟ لقد طال الوقت كثيرا!، كان زاهدا في الحياة تماما، لكنه لم يكن مصاب بأي مرض عضال ولا حتى الاكتئاب، وعندما سأله الأطباء عن دوافعه لتفضيل الموت على الحياة قال: في لحظة ما في عمر الإنسان تصبح الحياة بلا قيمة ولا معني، خاصة عندما يتقدم به العمر، وتصبح حياته مجرد معاناة يومية خالية من السعادة والبهجة!.

للأسف إن الفراغ الروحي وعدم الايمان عند البعض يضاعف من الحالات النفسية المريضة أو التي لاتجد حلا لمعاناتها في الحياة، فتفضل الموت، ذلك أن الذين لديهم الدفء الإيماني يرمون بأحمالهم وأعباء الحياة علي الله، ويعتبرون أن مصائرهم هي أقدار في يد الله، لذلك لا يسأمون الحياة ولا ينهونها بايديهم، أما الذين لايعتقدون في الله فيمسكون زمام الأمور ويحددون مصائرهم بأنفسهم .

حب الحياة لا يتوقف على عمر معين،  ويمكن أن يحب الحياة انسان  وهو في عمر 104 ويمكن أن يكرهها شاب في مقتبل العمر، فالحياة بها كل الألوان أسود وأبيض وأحمر!

عيادة "لايف سيركل" التي اختارها البروفوسير جودال، قبل عدة شهورلإنهاء حياته فيها، هي واحدة من العيادات السويسرية التي توفر خدماتها للمنتحر عن طريق تناول 15 جرام من مادة "بنتوباربيتال الصوديوم"القاتلة، وهي تشترط أن يكون المنتحر على دراية كاملة بما يقوم به، وأن يتناول الجرعة القاتلة بنفسه ودون تدخل الأطباء.

إن تأمل لحظات الموت في حد ذاتها أمر مزعج فكيف يسمحون بذلك وبكل هدوء ؟!!، لقد عاد الجدل يحتدم مرة أخرى بشأن دوافع الانتحار بالموت الرحيم ومدى شرعيته الدينية والأخلاقية، وهل من حق الإنسان الطاعن في السن أو المريض بمرض عضال اللجوء إلى الموت الرحيم شفقة به؟مع انتهاء حياة العالم الأسترالي في العيادة السويسرية.

سويسرا هي البلد الوحيد في العالم الذي يقبل بمساعدة غير المقيمين فيها على الانتحار، لهذا تنتشر سياحة الانتحار إليها، وهناك أكثر من عيادة مخصصة لهذا الغرض فيها، ويأتي زبائن لها من كل أنحاء العالم خاصة من ألمانيا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة حيث تحرم القوانين في تلك البلدان الموت الرحيم.

دخلت تلك الخدمة في ذلك البلد في عام  1941،  ورافقها من ذلك الحينشروط صعبة ،أهمها التيقن من الصحة العقلية للمنتحر،  ولماذا يختار الموت كحل؟،  أيضا يتم الاطلاع من قبل أطباء العيادة على كافة التقارير الطبيةالمثبت بها حالة المنتحر، ويتم التأكد من حالته الصحية العامة، وصحته العقلية قبل إعداد تقرير شامل عن حالته، وفي حال تمت الموافقة واجمع الأطباء علي ذلك، يتم تجهيز العقار السام شرط أن يقوم المنتحر بتناوله بنفسه ، وأن لا يكون خاضعا لتأثير شخص آخر.

في ألمانيا رفض البرلمان في سنة 2015 سن قانون يسمح بالموت الرحيم،وهناك عقوبة تصل إلى السجن 3 سنوات إذا ثبت تقديم عقار قاتل للمرضي الميؤوس من شفائهم مثل مرضي السرطان مثلا، لذلك يذهب الراغبين في الانتحار إلى سويسرا المجاورة ، لكن في بعض  الحالات المرضية الحرجة، لايستطيع الأطباء فعل شئ عندما يقرر المرضي الامتناع عن تناول الطعام حتي الموت ، ولا يستطيعون إجبارهم على التغذية الصناعية، لأنهم غير مجبرين على ذلك وفق القوانين الطبية.  

نسبة الانتحار بشكل عام في أوروبا مرتفعة، واغلبها في أوساط الشباب بين 15 و30 سنة، وهم لا يلجئون عادة إلى عيادات الموت الرحيم ، لأن اغلبهم يكون مصاب بأمراض نفسية حادة كالاكتئاب، أوبسبب الشعور بالملل من الحياة المريحة جداً كما في الدول الاسكندنافية، فالإنسان عندما يصل الى نقطة الرفاهية الكاملة يصبح كائن سطحي، لا يفكر، لأنه لم تعد لديهمشاكل تدفعه للتفكير والانشغال بحلها، ذلك على عكس الدول الفقيرة التي ينتحر أبنائها بسبب الفقر وعدم قدرتهم على مصاريف الحياة.  

يري بعض المؤيدين للموت الرحيم أنه قد يصبح الخيار الوحيد أمام المرضي والمسنين عندما تتحول حياتهم إلى معاناة لا تطاق،  في وقت يشعرون فيه بانهم أصبحوا عالة على آخرين، وأنهم لا يستطيعون تقديم أي شئ إيجابي للمجتمع ،  فتنتعش لديهم رغبة مغادرة الحياة سريعا دون ألم، وهذا ما عبر عنه العالم الأسترالي الذي قال: إنه لم يعد سعيدا في هذه السن، وأنه يعاني منذ سنتين من مشاكل في الإبصار، ووهن في الجسم،تجعله عاجزا تماما عن خدمة نفسه. 

الرغبة في الموت بشكل عام ووفق علماء النفس هو شعور يجتاح الكثير من الناس في أوقات مختلفة من الحياة، ولا يستطيع أي إنسان يساوره هذا الهاجس أن يلجا إلى عيادات الموت الرحيم، لأنهم سيرفضون ذلك بسبب تشخيص الحالة التي يكون الاكتئاب سببها وهو مرض يمكن علاجه.

قد يكون من المنصف أيضا أن تفتح عيادات الموت الرحيم أبوابها لأصحاب القلوب العمياء، والضمائر الميتة، من ناهبي ثروات الشعوب، والفاسدين،والحكام الظلمة، وهي بالتأكيد قريبة جدا من البنوك السويسرية التي يكدسون فيها أموالهم، ومن البحيرات والجبال التي يقضون فيها عطلاتهم بأموال فقراء تلك الشعوب ، نتمنى ألا يخطؤوا في العنوان ، وسنضمن لهم موتة فاخرة لا يشعروا فيها بأي ألم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي