: آخر تحديث
اليابان من وجهة نظر عربية

تناغم الطبيعة الجميل والعهد الجديد

13
13
18
مواضيع ذات صلة

وصلت إلى اليابان في منتصف شهر ابريل الجاري، ووجدت شعبها وقياداتها تستعد لمرحلة عهد تطور اجتماعي واقتصادي وتكنولوجي جديد، بعد قرار تنحي جلالة الامبراطور اكيهيتو رسميا عن الحكم في يوم 30 ابريل الجاري، بسبب تقدم السن، ومعموافقة الحكومة اليابانية الموقرة على ذلك، وبعد أن انتقلت اليابان في عهده من عهد الحرب الى عهد عصر السلام والنماء منذ عام 1985. ويعني ذلك بأن أبنه الأكبر، ولي العهد ناروهيتو سيستلم مسئوليات الامبراطور الجديد يوم الحادي من شهر مايو لعام 2019. وقد كان لي شرف مقابلة الامبراطور الجديد عدة مرات، والتحدث مع جلالته عن بلده اليابان وعن بلدي مملكة البحرين، وذلك حينما كنت سفيرا فوق العادة مفوض لوطني مملكة البحرين، كما أن جلالته زار مملكة البحرين في تسعينيات القرن الماضي مع جلالة الإمبراطورة الجديدة كجزء من رحلة شهر عسل. وقد لمست في شخصية جلالته اللطف والبساطة والجدية والرزانة مع ابتسامة شابه جميلة لا تفارق وجهه. وطبعا تنحي جلالة الامبراطور الحالي خلق نوع من البلبلة حول إمكانية التنحي، منذ اعلان قراره عن التنحي في عام 2016، حيث لم يتنحى أحد من أباطرة اليابان عن الحكم في الزمن المعاصر منذ أكثر من قرنين من الزمن.

​ويعرف امبراطور اليابان بالتينو، وتعني سيد السماء، وهو رمز للدولة ووحدة شعبها، وعميد العائلة الإمبراطورية، واعلى سلطة لعقيدة الشنتو اليابانية. كما ان العائلة الإمبراطورية اليابانية هي أقدم ملكية وراثية مستمرة إلى اليوم في العالم، وقد ذكر كتاب مدونات النيهون شوكي، والذي كتب في القرن الثامن، بأن امبراطورية اليابان تأسست في عام 660 قبل الميلاد، على يد الإمبراطور الأسطوري جينمو. كما أن هناك تقليد امبراطوري ياباني قديم يسمي عهد كل امبراطور جديد، باسم يحدد تصورات العصر المستقبلي الجديد، ليحاول الشعب والقيادة تحقيق أهدافها، كما يتم تقيم هذا العهد بعد انتهائه، بموت الامبراطور عادة او بتنحيه نادرا. وقد قام مجلس الوزراء الياباني بتعين لجنة مكونة من علماء أفاضل، ومن خيرة الخبرات اليابانية المتخصصة، تدرس اختيار اسم للعهد الجديد، بالاعتماد على اقتراحات علماء مختصين في التاريخ والادب والثقافة اليابانية. كما عرضت سريا اقتراحات الأسماء للعهد الجديد على لجنة ممثلة لجميع القطاعات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والقضائية والاعلامية لاستفادة من وجهات نظرهم. وقد كان لي شرف التعرف على بعض شخصيات هذه القطاعات، حينما كنت سفيرا، وسأخص بالذكر الطبيب والعالم الياباني شن ياماناكا، الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الطبية لعام 2012، وهو الباحث الذي اكتشف طريقة لتحويل الخلايا الكهلة الى خلايا جذعية جنينية، يمكن بعدها تحويلها لأي نوع من الخلايا، لكي يستفاد منها في تعويض المريض بخلايا جديدة بدل الخلايا التالفة. فمثلا لو اصاف مريض بشلل نصفي بسبب حادثة معينة، فيمكن اخذ خلايا من سطح الجلد وتحويلها لخلايا جذعية جنينية، بإضافة أربعة عوامل جنية وراثية، ثم تحول هذه الخلايا الى خلايا عصبية، تستطيع معالجة الشلل النصفي. ليعطي هذا المثل مدى اهتمام اليابان بالكفاءات العلمية في التعيين للمشورة.

​وقد أعلنت سكرتارية الحكومة، بقيادة سعادة يوشيهيدي سوجا في شهر ابريل الجاري، بأن الاسم الجديد للعهد اليابان القادم هو "ريه إيوا"، وهي الخطوة الأولى لاحتفالية تعين الامبراطور الجديد. وقد اختار مجلس الوزراء هذا الاسم الجديد والذي يعني، بعهد التناغم والرخاء، والذي اختير من كلمات الكانجي اليابانية، والصينية الأصل، رجوعا إلى مقتطفات من أقدم كتاب شعر ياباني، مانيوشو، أي ألف ورقة شجر، والذي يرجع تاريخه الى القرن السابع الهجري. وقد عرفت القارئ العربي في احدى مقالاتي السابقة (مانيوشو الف ورقة شجر) على مقتطفات شعرية من هذا الكتاب. ويتكون الاسم ريه إيوا من كلمتين، الأولى "ريه" منها تعني، الحظ السعيد، والثانية"إيوا" وتعني التناغم والسلام. وسيكون العهد الجديد هو العهد 248 في التاريخ الياباني، وهذه اول مرة يستخدم اسم العهد من الادب الياباني، ومن كانجي اللغة اليابانية، بينما كانت أسماء العهود السابقة تختار من كلمات الادب الصيني ومنذ عام 645. ولنتذكر عزيزي القارئ بأن اليابان استفادت كثيرا انتقال الحضارة الصينية اليها في القرن الخامس، كما استفادت من اللغة الصينية لتطوير الكتابة اليابانية والادب الياباني. والقصيدة التي اختيرت منها اسم العهد الجديد هي ابيات شعر توصف وردة شجرة المشمش في فترة اكتمال ازدهارها، في فصل الربيع، بعد أن تحملت فصل الشتاء القارس. وسيبدأ العهد الجديد في اليوم الأول من شهر مايو القادم، حيث سيصعد ولي العهد الياباني، ناروهيتو، الابن الأكبر لجلالة امبراطور اليابان، اقحوان العرش الامبراطوري الياباني، بعد تنحى والده الامبراطور اكيهيتو عن العرش يوم 30 ابريل لعام 2019.  

​وبقبول عهد ريه إيوا، سينتهي عهد "هه إيه سه إي"، عهد الاب، عهد تحقيق السلام، الذي بدأ في الثامن من شهر يناير عام 1989، بعد وفاة الامبراطور شاوا الجد. وقد بين رئيس الوزراء الياباني، شنزو آبيه، في مؤتمر صحفي بأن الحكومة الموقرة اختارت الاسم الجديد لأنه يعبر عن: "ولادة ثقافة جديدة غذيت بشراكة تناغم جميل للشعب الياباني." كما أكد بأن كتاب مقتطفات الشعر، مانيوشو، ألف ورقة شجر، الذي جمع قبل ألف ومائيتي عام، ويجمع قصائد لشعراء من مختلف فئات الشعب، من الامبراطور والنبلاء وعسكر الساموري، وحتى الفلاحين العاديين، كما أمل أن يتجذر أسم العهد الجديد في قلوب الشعب الياباني، كما تمنى ان يعبر اسم العهد الجديد عن أمله بأن ينتقل تاريخ اليابان الطويل، وثقافته النبيلة، والفصول الأربعة الجميلة الى الجيل القادم، كما تمنى ان يزهر كل مواطن ياباني جمال ورود طاقاته وابداعاته لخلق يابان العهد الجديد. وقد ربط رئيس الوزراء اسم العهد الجديد بزهرة شجرة المشمش، الوردة والوردة الوحيدة في العالم، وهي في الحقيقة عنوان اغنية عرفت بأنها أشهر اغنية في عهد الامبراطور المتنحي. كما سيحمل الامبراطور أكيهيتوو، اسم العهد الذي عاشه بعد تنحيه عن العرش، أي سيسمى بالامبراطور هيإيسي. كما عبر رئيس الحكومة عن أمله بأن جيل عولمة الألفية الثالثة والتكنولوجية المتطورة، سيخلقون حركة شبابية جديدة مبدعة، ستحرك المياه المجتمعية الراكدة، في عهد ازدهار وردة شجرة المشمش، ليحقق هؤلاء الشباب طموحاتهم الدافنة، بعد استيعابهم لآمالهم واحلامهم، ليلعب اسم العهد الجديد دورا جذريا في تشكيل حياة كل مواطن ياباني عمليا وسيكولوجيا. وسيكون اختيار اسم العهد الجديد تطبيقات معقدة، على جميع مطبوعات ووثائق وعملات اليابان، لذلك استشارت الحكومة اليابانية جميع ممثلي القطاع التجاري والصناعي والقضائي والإعلامي والتعليمي قبل تثبيت اسم العهد الجديد. 

والجدير بالذكر بأن مقتطفات كتاب الشعر، الف ورقة شجر، مانيشو، التي الهمت الادباء لاختيار اسم العهد الجديد، ريه إيوا، كتبها الشاعر الياباني اوتومو نو تابيتو، وهي في الحقيقة مقدمة شعرية كتبها لتقديم 32 قصيدة لصديق له، حيث استخدم كلمة "ريه" لتعني الشهر المقدس، بينما استخدمت كلمة "إوا" لتعبر عن هبة عبير هواء الربيع المسالمة. كما وضح البروفيسور الياباني اسو كيوري بان اسم العهد الجديد، اختير من حقائق الطبيعة، عكس العهود السابقة، التي حدد اسمها قيم سياسية محددة، بينما وضع الاسم الجديد، ريه إيوا، فلسفة اجتماعية جديدة، ملهمة بالطبيعة الخلابة، والتي تهدف لتحقق تناغم بين افراد الوطن الواحد، بنفس طريقة التناغم التي نجدها بين مختلف مظاهر الطبيعة. كما يختلف العهد الجديد عن الأربعة العهود السابقة، هيإيسيي، وشوا، وتإيشو، وميجي، بأن الحكومة أعلنتها وجلالة الامبراطور على قيد الحياة. تلاحظ عزيزي القارئ من خلال دراسة تفاصيل تحديد تسمية العهد الجديد، كيف يعمل الشعب الياباني وقياداته السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والتاريخية بتناغم جميل لوضع تصوراتهم المستقبلية، وفي نفس الوقت كيف يعتمد شعب اليابان وقيادته على التناغم السلمي المرتبط بالتناغم المقدس الجميل بين الانسان ومظاهر الطبيعة المختلفة، ليخلق مستقبل شبابه المبدع والمنتج. ولنا لقاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي