: آخر تحديث

محمد بن راشد .. عرّاب نمط المدينة الدولة

7
4
4
مواضيع ذات صلة

احتفلت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أيام بمرور خمسين عاماً قضاها حاكم دبي وولي عهد البلاد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في خدمة بلاده وشعبه ، واحتفت بجهوده التي أصبحت محل تقدير وإشادة عالميين ، جعلت من دبي قبلة ونموذجاً مهماً ، وقد طُبعت بحركيته ونبوغ أفكاره وتقدميته الكبيرة.

وفي لحظة تفيض بالتقدير ، قال الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي ورائد المرحلة الجديدة للمملكة والمنطقة ، في حديث سابق خلال مؤتمر الاستثمار في الرياض إن الشيخ محمد بن راشد رفع سقف النجاح في الشرق الأوسط ، وقدم نموذجاً ملهماً في دبي يُحتذى به ، وأشاد بالنجاح الذي حققته دبي والتطور على مختلف الأصعدة.

يعدّ محمد بن راشد عرّاب نمط " المدينة الدولة " في المنطقة ، بمعنى أن تنهض المدينة ككيان مستقل وبتجاوب أسرع وخطة تنسجم مع روح جغرافيتها وطبيعتها ، وقد نجح هذا النمط إبان فترة الثورة الصناعية، إذ أتاحت الفرصة لأوروبا لأن تبدأ بداية أفضل وأسرع من الصين الكبرى .

وفيما المنطقة تعاني ، وتئن أعرق حواضرها وعواصمها العتيقة نظير حالة من التراجع والتخريب على كل المستويات ، وتتخلف تلك المدن العربية عن كونها منارات للتقدم والتنمية والمعاصرة ، كانت عروس الخليج العربي " دبي " تنهض بتؤدة باتجاه أن تصبح عاصمة للتجارة والإعلام والأعمال ، تنهض برؤى حاكمها الذي بدأ مشواره منذ نصّب ولياً لعهد الإمارة في التسعينات وشرع في بث رؤاه وأفكاره وحماسته مبكراً في تراب المدينة وروحها ، حتى أضحت اليوم رائدة المدن العربية في تحضرها وفعاليتها .

وقد جاء يوم تولي الشيخ محمد بن راشد حكم دبي لحظة فارقة في تاريخ الإمارات والمنطقة ، فقد شهد هذا اليوم قبل 13 عاماً بداية رحلة جديدة ملهمة لقائد جعل الرقم واحد حقيقة وواقعاً يشهد بهما العالم ، وفي عام التسامح الدي اختارته البلاد شعاراً لها انطلاقاً من يناير الجاري ، تزهو الإمارات بهذه الشخصية الاستثنائية التي أشعّت بأنوار المحبة والتعايش والبناء على العالم بأسره .

‎ولد محمد بن راشد في دبي عام 1949، ونشأ في بيت جده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم في منطقة الشندغة في بر دبي. 

كان يصحب جده الشيخ سعيد في مجالسه ليكون مدرسته الأولى في الحكم، وتدرب منذ طفولته على الصيد بالصقور والفروسية والرماية والسباحة.

شحنته الصحراء بكثير من قيمها الراسخة ، مهر في قول الشعر ، الذي أخصب خياله وفتح له آفاق واسعة تتصل بالأرض وتلامس الفضاء ، كما سحّت في وجدانه الشطآن البكر التي تمتد على سواحل دبي ، وستكون مسرحاً فذاً لمشروعات النهضة التي سترى النور على يديه عمّا قريب .‎

شجعه والده للاتجاه نحو الحياة العسكرية ، وقد صقلت مهاراته القيادية وزادت من اهتمامه بالانضباط والإدارة الجادة ، وقد تولى مهام وزير الدفاع في الحكومة الاتحادية منذ عام ١٩٧١ ، الأمر الذي انعكس على أداء أدواره المستقبلية في قيادة دفة المدينة التي كانت على موعد مع نقلتها الكبيرة إلى مصاف المدن المهمة على وجه الأرض .‎

وسافر مبكراً إلى العاصمة البريطانية لندن برفقة ابن عمه الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم في أغسطس من عام 1966 ، وفتحت له معراجاً إلى الأحلام الرحبة التي نسجها لاحقاً على تراب الجوهرة التي استلم أمانتها من أخيه الأكبر.

إذ أصدر حاكم إمارة دبي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم‎في 4 مارس 1995، قراراً بتعيينه وليّاً للعهد في الإمارة ، وعلق وقتئذ " لا أعرف فيما إذا كنت قائدًا جيداً أم لا، لكن ما أعرفه إنني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل، تمتد قدما إلى 20 أو 30 عاماً " .

وقد فعل .

انطلقت قاطرة المشاريع النوعية التي صنعت لدبي الفرق وجعلت منها الرقم الصعب ، وبدأت معظم تلك المشاريع الحديثة في دبي مع توليه ولاية العهد في الإمارة، وتحولت دبي في غضون عقدين إلى علامة تجارية عالية الموثوقية والجاذبية ، ومطمعاً لطلاب العمل والباحثين عن حلم الاستقرار بين ظهرانيها والاستمتاع بثمارها التي أخذت تنضج وأضحت يانعة ودانية للقاطفين .

وقد ساعد لبناء نموذج مدينة أقل اعتمادية على النفط الذي أدمنه العرب وأفسد قدرتهم على استبصار المستقبل وتحدياته ، نضوب إمكانات الإمارة النفطية والذي ما عاد يشكل أكثر من 20% من دخلها في ذلك الوقت ، الأمر الذي جعل من هذا التحدي ونقطة الضعف محطة انطلاق ومصدر قوة وإشعاع للبدائل الاستثمارية الأخرى ، مع مسحة من الجرأة والمغامرة والحصافة الإدارية التي كان يتمتع بها محمد بن راشد .‎

‎في أواخر عام 1995 أعلن عن ولادة مهرجان دبي للتسوق، والذي عمل كلبنة أساس للترويج السياحي والاستثماري ، ومنطلقاً لكثير مما وصلت إليه دبي اليوم من وهج .

‎وجرى تطوير مطار دبي الدولي بما يستجيب لحاجات المدينة الناهضة ، والبدء في تشييد فندق برج العرب الذي أنشئ على جزيرة اصطناعية تبعد مئة متر عن شاطىء البحر ، وأعلن في عام 2001 عن مشروع جزيرة النخلة، ومدينة دبي للإنترنت ، وسلسلة كبيرة من المشاريع والمدن العملية والمباني الشاهقة والمجمعات التسوقية والسكنية ، التي أصبحت اليوم عامرة بالنشاط ومأهولة بالحيوية .

بعد ١٨ شهراً فقط من فاجعة رحيل باني الوحدة الإماراتية الشيخ زايد ال نهيان ، رزء محمد بن راشد بوفاة أخيه الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ، وتولى خلفاً له الحكم في إمارة دبي في 4 يناير 2006 وانتخبه أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد في 5 يناير 2006 نائباً لرئيس الدولة، ووافقوا على اقتراح رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بتكليفه برئاسة مجلس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة .

وكان أفضل خروج بالبلاد من هذه الفواجع الممضّة ، الذهاب خطوة كبيرة في نفع البلاد ورفع معنوياتها بالغناء للمستقبل ، وبدأت وتيرة الانجازات والمبادرات تتسارع على المستوى المحلي والإقليمي.

وأعلن خطة دبي الاستراتيجيّة وذلك من أجل ترسيخ وتعزيز مكانة دبي في المنطقة كمركز اقتصادي ومالي، وأفصح عن ملامح استراتيجية حكومة الإمارات وتحويلها حكومة ذكية، وإنشاء العديد من الشركات والمشاريع الاستثماريّة الجديدة .

استدخل محمد بن راشد مفاهيم قيادية جديدة في طبيعة الأداء الحكومي ، كان أقرب إلى مباشرة الأعمال ، يتداول الناس بحفاوة بعض مواقفه العفوية وهو يزور الدوائر الحكومية ويشارك أبسط الأنشطة مع جمهور الناس ويتحدث بعفوية إليهم وهم يستوقفونه ويصادفونه في الأماكن العامة .

كانت الأفكار التقدمية تحظى بآلية عمل سريعة وصارمة ، وتكاد بعض المشاريع تبدأ وترى النور مباشرة لحظة التخطيط لها ، فيما كان المحيط العربي يشهد لحظة من التوقف والجمود ، باستثناء منطقة الخليج العربي التي تدب الحركة فيها ، وتشهد مدنها وعواصمها عملاً متواصلاً للبناء والتنمية ، وكانت دبي تنفرد بالمشاريع المبتكرة التي تحوز إعجاب الناس ، وتراكم المزيد من صورتها المشعة بالأمل .

أطلق محمد بن راشد سلة كبيرة من المبادرات النوعية التي تهتم بكافة مجالات النشاط الإنساني تقريباً ، الأمر الذي شجع الكثير ليؤم وجهه شطر هذه المدينة الواعدة ، ويكاد يكون لدبي بصمة وأثر في كل مضمار وميدان ومجال ، الإعلام والفن والثقافة والموضة والاقتصاد والتجارة وكافة قطاعات الأعمال والإنتاج والتنمية ، جوائز تنافسية ، وملتقيات دولية ، ومعارض في شتى الاهتمامات ، مدينة لا تتوقف عن ابتكار حيويتها وتحافظ على لياقتها وشبابها الدائم وتتعاطى مع كل الواجبات والحاجات .

وقد بلغ عدد ما أطلقه ابن راشد أكثر من 30 مبادرة إنسانية وخيرية ومعرفية، تقدم 1400 برنامج ومشروع وحملة يستفيد منها ما يزيد على 130 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم.

لم تكن الأمور دائماً على ما يرام ، فخلال الأزمة المالية العالمية التي بدأت في شهر سبتمبر 2008 من الولايات المتحدة وطافت هذا العالم بكامله بحكم الترابط العالمي المالي من بنوك وتمويل وبورصات ومستثمرين .

وكانت " دبي " إحداها وهي الإمارة التي حققت نجاحات كبيرة ولاتزال ، ودبي ركزت على مصدرين غير مألوفين لدول المنطقة الغنية بالنفط هما قطاعي " العقار ، والسياحة " .

تركت هذه الأزمة بعض الأثر على المدينة ، لكنها تجاوزتها بعون أشقائها وحكمة إدارتها ، وشكلت لحظة تدشين برج خليفة في 4 يناير 2010 صورة رمزية لإعلان الخروج المرير من تبعات الأزمة .

البرج الذي يرتفع 828 متراً عن سطح الأرض اعتبر أعلى ناطحة سحاب في العالم بعد حوالى خمس سنوات من أعمال البناء والتشييد ، كان فرصة لاستعادة الثقة بمدينة الأحلام وعزمها على مواصلة دورها في إحياء الأمل العربي وانتشال الواقع من دركه الأدنى .‎

 

لقد تدربت المدينة جيداً على مقاساة التحديات المحيطة ، إذ لا تزال تلقي هشاشة الوضع العربي ودوامة الأزمات بظلالها القاتمة على أحلام دبي الكبرى .

 

وهي تقاوم عجز الواقع العربي وعثراته بالمشاريع الناهضة ، ونية معقودة للاستمرار في هذا المشوار الطويل من البناء ، وأن التوقف يعني ذبولها والانسحاب إلى مناطق العتمة التي تلف المنطقة اليوم .

تنتظر دبي سلة جديدة من المناسبات العالمية في مجالات مختلفة ، تؤكد ريادتها وصورتها كمدينة منفردة .

 

يستعد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قريباً لطرح كتابه عن سيرة خمسين عاماً من العمل ، وقال أنها سيرة غير مكتملة ، بمعنى أنه متحمس لبذل المزيد في مشوار الإنجاز والنجاح .

كما وجه الشكر لكل من قال كلمة تقدير في حقه بمناسبة مرور 50 عاما على توليه أول منصب في خدمة الإمارات.

لا ينفصل هذا عن ما تقوم به السعودية اليوم من قيادة المنطقة إلى مرحلة جديدة ، تطوي أوجاع الماضي وتقفز من بؤر الواقع الهشّ ، يسافر الأمير محمد بن سلمان بحقيبة من الأحلام الواعدة ، يدعو العواصم العربية للانضمام إلى موكب النور والتقدم والتنمية والخروج من نفق البطالة الحضارية .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي