: آخر تحديث

الجزائر والسودان : حيوية الشعوب تبدد جمود السياسة

14
12
14
مواضيع ذات صلة

سرعة إيقاع التحولات في الجزائر والسودان جعلت المحللين التقليديين في حيرة عكست بعدهم عن الواقع الفعلي للحراك الشعبي، وعلامة ذلك ما نراه من متغيرات متسارعة في الآونة الأخيرة أدخلت جميع المفاهيم والمصطلحات التي طالما تغنوا بها في زوايا النسيان ووضعتهم أمام واقع أقل ما يقال فيه أنه منفلت وأبعد مما توقعوه بكثير .

إن الظرف المصيري والمأزق الدقيق التي يعصف بالمنطقة يحتم على من هم في موقع السلطة في دول عديدة - لا سيما تلك التي تعاني من غياب الحريات والتنمية- ان يكونوا أكثر واقعية و مصارحة وانفتاحًا على كل شرائح المجتمع الذي يسوسنه ويحكمونه ويتكلمون باسمه  .

يقوم كثير من المسؤولين بأخذ آراء مستشاريهم وما أكثرهم؛ بيد ان معظم هؤلاء ينافقون الحاكم  بدلا من ان يصارحوه. لقد احترفوا وطيلة أعوام طويلة على الخداع، بل كثيرا ما يوحون للزعيم بأنه فوق البشر أجمعين، وان الأجواء السياسية ممتازة و الأحوال الاقتصادية على أحسن ما يرام، معتمدين بذلك على تقارير غير دقيقة لا تعكس وقع الشارع ولا حال الناس الذين يرزحون تحت عبء الفقر والقهر في أغلب الاحيان .

حالة الخوف الذي يعيشها الانسان في بعض الدول لا يمكن ان تساعد على كشف المستور والحقيقي المعاش، ولا على حجم المعاناة التي يخلفها الكبت والقمع الممنهج والمنظم . ولا يمكن بحال من الاحوال ان تطوير حالة بلد ونقله من طور التخلف الى طور الرقي في ظل اعمال الحلول الأمنية في رقاب البشر . نعم كثيرون من أبناء الأوطان غير مرتاحين للنهج الغير العادل والسياسات الغير المنصفة التي يتعرضون لها، بيد انهم بقوا صامتين أعوامًا طوال خشية هلاكهم ماف تعرضهم للاذلال فيما يسعون لتأمين لقمة العيش في ظل ظروف قاهرة .

هذه هي الحال التي استمرت عقود طويلة في كثير من دول ما يسمى ب"العالم النامي" ولم تعد الشعوب اليوم ترضى بهذا الواقع المذل فخرجت بثورات سلمية تطالب برفع الظلم والقهر والتداول السلمي للسلطة .

ولا مكان اليوم للحديث عن التقدمية والرجعية او عن العنتريات  في ايقاع متسارع من التحولات التي لا تعرف الاستقرار. ولا مكان فيه للناقد القابع في إطار "ثقافته الخاصة " المتعالية عن جراح الشعوب وآلامها ، او المتعجرف "الموضوعي" المكتفي بنفسه والقائم بذاته في دائرة أناه. فالممارسات الثقافية الشعبية المعاصرة المتلاحقة في الشارع المتغير أزاحت ميراث كهول "المثقفين" كما "السياسيين" واجبرتهم على التقهقر الى مؤخرة المشهد فاتحة الفضاء الواسع للنشطاء الواعدين الغير آبهين باتهامات من سبقوهم لهم بانحرافهم عن "الأصالة" ولحاقهم بكل مكونات الثقافة المعولمة لينسجوا حريتهم وعالمهم ويقدموا فهمهم لكل أنواع "النصوص" واشكال الخطاب السياسي  على طريقتهم فاتحين صدورهم العارية أمام كل آلات القمع الجبارة .

صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات الالكترونية حولت المفاهيم والنصوص و المصطلحات الثقافية والسياسية الى شبكة هائلة من التناص و "الاقتباسات " الذي ذاب في ظلها الوجود التقليدي لكل من يدعي "الاحتراف " فغاب وجود "المتعالي الملهم" و "الكاتب المداهن " و والصحفي "المروج للنظام" ، ليحل محله "الانسان "المتواصل" القادر على استكشاف المناطق البينية بين االمفاهيم والأحداث، ضمن نسيج هائل اخترق الحواجز بين القطاعات المعرفية والعملية نحو أفق مغاير غيّر علاقات إنتاج القوة وأدوات توزيع السلطة في المجتمعات الانسانية وذاب في اطار حضاري معولم .

بطبيعة الحال، فإن ذلك أدى الى تلاشي كل "المركزيات " وغياب كل أشكال "الهرميات" و "التراتبيات " في العلاقات؛ بدءا من العلاقات الاجتماعية الشكلية البسيطة وصولا الى علاقة الفرد بدولته التي ينتمي اليها . فالطفل الذي لم يعد يقبل بدور المقلد المطيع، كما المواطن الذي لم يعد يقبل بموقع التابع المهمش والمغيب عن قضاياه، فخرجت الثورات لتؤكد على انتقال الشعوب من طور القبول ب"الضرورات" الى مستوى الحريات التي لا تؤمن بوحدة المركزية، بل تجد في تعددية المراجع سبيلا طبيعيا وتداوليا لذوات تتكافئ في الحضور، محطمة بذلك كل "أساطير الزعماء " وأشكال "الهيمنة " .

اذن ساعة الصفر قد حانت معلنة بزوغ نزعات كونية تحتم استمرار الثورات الدائمة على كل الانساق "الجامدة " الفكرية منها والسياسية والثقافية، فالثورات التي حملت شعار "رحيل النظام" ليست إلا انعاكس لتطور الوعي الانساني للمشهد الكوكبي، الذي ينطوي على تنوع مذهل وتعددية صادمة بثرائها كمًّا وكيفا تفرض نوعا جديدا من المتابعة والوعي، فيما لا يزال كثيرين ممن هم في "مواقع السلطة " سواء كانوا حكاما او مدراء او مسؤولين او مثقفين او نقاد بعيدين كل البعد عن استيعاب ايقاع التغيير العاصف ولا زالوا يمارسون شتى انواع القمع والعنف ليحافظوا على مركزية مواقعهم في عصر لا مكان للمركزية الجامدة فيه .

ولا يظننّ أحد ان رحيل "الطغاة " وسقوط "الرئيس " هو انجاز للثورات، بل هو بدايتها على الحقيقة فالثورات الفعلية لا تُنجز أبدا بل هو فعل مستمر متغير، وكما ان رولان بارت قد أعلن موت الكاتب الملهم، فإننا أمام مرحلة أهم سماتها  تلاشي " الزعيم الأوحد" وافول كل زعامة بحيث سنجد خلال الفترات القادمة نوعا جديدا من العلاقات لم تعهدها النظريات الادارية والسياسية  من قبل . 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي