: آخر تحديث

اليابان من وجهة نظر عربية سيكولوجية الخال وجائزة نوبل

7
8
6
مواضيع ذات صلة

ليسمح لي عزيزي القارئ أن أعرفه على شخصية أدبية يابانية معاصرة، وهو الكاتب القصصي ياسوناري كاواباتا (1899-1972)، الذي اشتهر بعمق سرده ووصفه لسيكولوجية عواطف شخصياته الدرامية، والذي كان السبب الرئيسي لفوزه كأول أديب ياباني على جائزة نوبل للآداب في عام 1968. فقد ولد في عام 1899 من عائلة مشهورة في الطب، وبمدينة اوساكا التجارية، وقد أصبح يتيما في سن الرابعة، ليربيه جده، بينما عاشت اخته مع خالتها، والتي لم يراها الا مرة واحدة قبل وفاتها، وهو في الحادية عشر من عمره، كما توفى جده وهو في السابعة، بينما توفت جدته وهو الحادية عشرة، لينتقل للعيش مع اهل والدته، وليكمل دراسته الثانوية. وقد عبر من خلال كتاباته عن سيكولوجية المعاناة النفسية في طفولته، كما استفاد من معاناة طفولته في كتاباته القصصية للتعبير عن سيكولوجية العذاب التي تتعرض له شخصياته الدرامية، ولتخلق لنفسها جدار العزلة لحمايتها من غدر الزمان، وخاصة بعد ان عاش رومنسية عذاب الحب مرتين في شبابه، فقد كانت حبيبته هاتسويا اتو، التي التقى فيها وهو في العشرين من عمره، والتي تعرضت للاغتصاب من راهب في المعبد الذي كانت تعيش فيه، مما أدى بها لقطع علاقتها به بعد ان كانت حبيبته وخطيبته. وقد كتب روايته القصيرة الأولى في عام 1921 وبعنوان، رؤية من خلال مهرجان ياسكوني، وقبل تخرجه من الجامعة في عام 1924، كما كتب بحث تخرجه بعنوان، تاريخ قصير عن الفن القصصي الياباني. وقد بداء مع زملائه مجلة أدبية جديدة بعنوان، عصر الفن، لإحياء الادب الياباني القديم، وتأثرا بالموجة الأوروبية التكعيبية. وقد اشتهر عالميا من خلال قصته، راقصة الايزو، التي كتبها في عام 1926، والتي سردت وعبرت عن عواطف الحب الشبابية الجياشة بين راقصة وطالب. كما اشتهرت قصته، بلاد الثلج، التي بدأ كتابتها في عام1934، والتي تتحدث عن قصة حب فتاة من الجيشا في منطقة جبلية بشمال اليابان. كما اشتهرت في عام 1949 قصة،ألف رافعة، وبعدها قصة، صوت الجبل، والتي يجمع فيها بدقة سرد عاطفي لحفلة شاي يابانية مع الحب الضائع، والتي ناقش فيها حب فتى لعشيقة والده الميت، بل وبعد وفتها حبه لابنتها، والتي هربت من عذابات عواطف حبه، ليعبر من خلالها لخلفية جميلة، لأقبح وجه لعلاقة حب، وليعرض من خلالها عواطف الموت المخيفة. كما لعب دورا مهما في ترجمة الكثير من الادب الياباني الى اللغات الاوربية، وقد حصل على الجائزة الفرنسية للآدب في عام 1960، كما حصل على جائزة الاستحقاق الامبراطوري اليابانية للثقافة في عام 1961، كما كان اول ياباني يحصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1968،"لسرده المتميز وبإحساس عظيم لجوهر الوجدان الياباني، ومن خلال قصصه الثلاث، بلاد الثلج، والألف رافعة، والعاصمة القديمة." وقد توفى في عام 1972، واعتقد الكثيرون بأنه انتحر بفتح انبوبة الغاز في الحمام، بعد اصابته بمرض الرعاش المخي، وبعد حزن انتحار أحد أقرب أصدقائه. وليسمح لي عزيزي القارئ ان اعرض قصته القصيرة، الخال، والتي تعكس مدى دقة سرده لسيكولوجية الانفعالات العاطفية، والتي قمت بترجمتها من اللغة الإنجليزية.

حلمت البارحة بالخال، كتبت لك هذا الخطاب لكي تتفهم ما اشعر به، الخال الذي وبختني بسببه مرات عديدة، إنه على كتفي الأيمن، أو بالأحرى على ظهري، وهو أكبر من حبة الفاصوليا، وكنت استمر ألعب فيه لتنطلق منه رصاصة قاذفة في يوم من الأيام،لتغيظني انفعالات غضبك بسببه، وكما قلت لك بأنه كبير ودائري ومتورم. وأتذكر حينما كنت طفلة، كنت استرخي في السرير والعب به، وكنت خجلة جدا حينما رأيته أنت لأول مرة بعد زوجنا، بل بكيت، وأتذكر بأنك كنت مندهش. كما كنت أتذكر دائما زجر والدتي:توقفي يا سايوكو، فكلما تلمسينه فيزداد حجما. كنت في ذلك الوقت طفلة لم تبلغ الثالثة عشر من العمر، وبعدها استمريت باللعب فيه خفية، وبقت كما هي في الوقت الذي تناسيتها، فحينما لاحظتها لأول مرة كنت طفلة أكثر من زوجة، ولأتساءل كيف يمكن ان تتصور شدة الخجل الذي كان يرعبني، بل أكثر من خجل، أنه الرعب بعينه، بل كانت حتى فكرة الزواج مخيفة فعلا، بل شعرت كأن جميع أسراري ستنكشف، ولم يبقى لدي ملجئ لأختفي فيه. ذهبت لأنام بسعادة، لأشعر أحيانا بالوحدة والراحة، ولترجع يدي تحاول التلاعب بالخال من جديد، ولأتذكر ولأكتب لأمي وأقول لها: لا أستطيع حتى لمس الخال، وليحمر وجهي خجلا. 

لقد قلت لي أنت مرة، من التفاهة القلق من الخال، وكنت سعيدة، ولو رجعنا للوراء لتساءلت أليس من الأفضل لو أنك أحببت عادة لمسي للخال؟ ولم أعد اقلق من الخال كالسابق، وطبعا لا تنظر البشر في عنق المرأة لتبحث عن الخال، وفي نفس الوقت مهما يكن الخال كبيرا لن يعتبر تشوها. وقد تتساءل ما الذي أدى بي بالتلاعب بهذا الخال؟ ولماذا اغضبتك هذه العادة؟ فقد كنت تقول: توقفي، توقفي. ولا أتذكر عدد مئات المرات التي أهنتني بسب ذلك. بل قلت مرة في غضب: هل تحتاجي لاستخدام يدك اليسرى؟ لأرد وباستغراب: يدي اليسرى؟ وكان فعلا صحيح كنت استخدم يدي اليسرى. ولتكملمنفعلا: ان الخال على كتفك الأيمن، فاستخدام يدك اليمنى أفضل. وكان ردي: اوه، وهل تريد أن تقرر لي كيف ألمس خالي؟ بل رفعت يدي اليمنى، لأجدها حركة غريبة، بل من الأفضل لي استخدام يدي اليسرى. ولتصر بردك: اليد اليمنى أقرب. فلم اعد اتفق مع كل ما تقوله نفاقا، وحتى حينما اجاوبك، بدى لي بأني حينما ارفع ذراعي امامي، فكأنما كنت أحاول أتجنب إساءتك، في الوقت الذي كنت ادافع عن نفسي، وأفكر بأني كنت قاسية عليك. 

سألتك يوما وبهدوء: وما العيب في استخدام يدي اليمنى؟  فلترد: اليد اليمنى او اليسرى فهي عادة سيئة. ألم أقول لك مرة تلو الأخرى أن تذهبي للطبيب لكي يستأصلها؟ وكان ردي: ولكني لم أستطع، فأنا أخجل بأن أقوم بذلك. ومن سيذهب للطبيب لكي يستأصل خال؟ ولترد بإصرار: يبدو بأن هنا عدد كبير من الناس سيقومون بذلك. ولأنفعل بردي: لربما لخال في وسط الوجه، ولكن اشك بأن يذهب أحدا للطبيب لكي يستأصل خال في الظهر، بل سيضحك الطبيب، وليعرف بأني جئته بسبب شكوى زوجي. ولتستمر في اهانتك لي: فقد تستطيعين اخباره بسبب عادتك في اللعب به. ولأعقب غاضبة: هل حقا، فشيء تافه كالخال، وفي مكان حتى لا يستطيع رؤيته أحد، كنت أتصور بأنك قد تستطيع تحمل شيء تافه كهذا. ولتستمر في انزعاجك: لما كنت اهتم بالخال، لو أنك لم تعبثين به. انت حمقاء، فمهما أقول لا يمكن أن تحاولي أن تغيري من نفسك. ولأدافع عن نفسي ضد هجومك العنيف: بل احاول دائما، حتى أنني ألبس فستان برقبة طويلة، لكي اتجنب لمس هذا الخال. ولترد مرة أخرى وبانفعال مزعج: ولكن ليس لفترة طويلة. ولكي اتحداك بالرد: وهل من العيب جدا أن ألمسه؟ افترض بأني كنت أحاول الدفاع عن نفسي. ولترد مرة أخرى: ليس خطأ، سألتك عن التوقف، لأنني لا أحب ذلك. ولأرد مرة أخرى: ولكن لماذا تكره ذلك. ولتنفعل: ليس في الحاجة لذكر الأسباب، فليس هناك حاجة للعب بالخال، فهي عادة سيئة، وأتمنى أن تتوقفي عنها. وحينما تلمسينه، يبدو دائما سحنة غريبة غائبة على وجهك، وذلك سبب كرهي لهذه العادة. 

كررت ردي وباستياء شديد: يبدو بأنك صائب، فقد أصابت هذه الملاحظة نياط قلبي، وكنت أريد أن أحني رأسي موافقة. فحينما تراني أفعل ذلك مرة أخرى، أضربني على يدي، لا بل أضربني على وجهي. وليغضب بالرد: ولكن إلا يزعجك بأنك تحاولين منذ سنتين أو ثلاث التخلص من عادة بسيطة كهذه، ولكنك لم تنجحي تحقيق ذلك بنفسك. لم اجاوب، كنت أفكر في كلماتك، وهذا فعلا ما أكرهه. توقفت، وفي الوقت الذي كانت يدي اليسرى لامسة ظهر رقبتي، وبطريقة كئيبة بائسة. ولن اتردد عن استخدام كلمة منعزلة، رثه، لتعني وقفة لامرأة مهانة تريد أن تحمي جزء من كرامتها الضائعة، وليعبر ذلك عن سحنة وجهي التي وصفتها بالغريبة والغائبة الفكر.  وهل هذه علامة بأنني لم أقدم نفسي لك بصدق، لبعد المسافة بيننا؟ وهل عبر وجهي عن صدق مشاعري تلك، حينما ألمس الخال وأنسى نفسي في فكرة خيالية، كما كنت أفعله منذ طفولتي؟ وقد يكون بسبب أنك غير راضي عني، لذلك ضخمت عادة تافه كلمسي للخال، ولو كنت سعيد بي لكنت ضحكت من عادتي هذه ونسيتها. 

لقد كانت فكرة مخيفة، حينما انصدمت بفكرة بأنه قد يجد بعض الرجال لمسي للخال بأنها عادة ساحرة. فقد كان حبك لي هو سبب ملاحظتك الأولى، ولا أشك في ذلك وحتى الآن، ولكن تلك الأشياء الصغيرة المزعجة، حينما تضخم وتتشعب جذورها في قلب زواجنا. فلزوج وزوجة حقيقيين لا تهم غرابة الاطوار، بينما افترض بأن هناك زوج وزوجة مثلنا مختلفين في كل شيء. ولا أقصد بأن الأزواج الذين يوفقون بين طبائعهم من الضرورة بأنهم يحبون بعضهم بعضا، أو أن الأزواج الذين يختلفون دائما يكرهون بعضهم البعض، ولكن أبقى أفكر بأنه كان من الأفضل لعلاقتنا لو كنت تغاضيت عن عادة لعبي بالخال. وبدل ذلك كنت تضربني وترفسني برجليك، وكنت ابكي واسألك لماذا لم تكن أقل قسوة، ولماذا كان علي أن اعاني من كل هذه القسوة، وفقط لأني كنت ألمس الخال، والحقيقة لم يكن كل ذلك الا سطح لأشياء أعمق، وكنت تقول كيف يمكننا ان نعالج كل ذلك، وأنت ترتجف، وكنت أتفهم عمق ما تشعر به، ولو اخبرت أحدا عن سلوكك لاعتبرك زوج عنيف، ولكن لأننا وصلنا في علاقتنا للحد الذي تكون الأشياء التافه الصغيرة تزيد من توتر علاقتنا مع بعضنا البعض، ليصبح الضرب نوع من الإحساس بالتحرر من غضبك المكبوت. فلن أستطيع التخلص من الشعور بألم معاملتك.

تبدو مشوش، وخالي من العاطفة، واخذت الحبل وربطت يدي، وكنت سعيدة حينما لاحظت نظرة عينيك، وأنا اسرح شعري بيدي المقيدتين، وقد فكرت بأن عاداتك المؤلمة قد شفيت منها، بالرغم من خطورة تسريح الشعر الذي على الخال. وحينما عادت العادة القديمة، ماتت عواطفك نحوي، وهل تعني بانك استسلمت وأستطيع ان أقوم بما يحلو لي، فحينما كنت العب بالخال كنت تتظاهر بانك لا تراني، كما لم تقل أي شيء. وبعدها حدثت أشياء غريبة، فالعادة التي لم يعالجها الغضب والضرب لن تختفي، فلم تفيد علاجات العنف، لتنتهي هذه العادة بنفسها، فقلت: ماذا تعرف، فلم اعد العب بالخال؟ نظرت لي وكأنك لم تعد تهتم، وإذا لم يكن يهمك لماذا كنت تعاملني بتلك القسوة؟ وقد تصورت بانك ستسألني، إذا كان ممكن علاج ذلك بتلك السهولة لماذا لم اعلاجه من قبل، ولكنك في الحقيقية لم تتكلم معي. وقد لاحظت تعبيرات وجهك وهي تقول: العادة التي لم تكن مهمة، والتي لم تكن علاجا او سما، لماذا انشغلت بالإدمان عليها؟ كنت فقط أحاول ان اغضبك بلمس الخال، ولكن رفضت يدي التحرك نحوه. احسست باني وحيدة وغاضبة، كما حاولت لمس الخال حينما لم تكن موجدا ولكن احسست بان ذلك مخجلا كما لم تستطع يدي التحرك نحو الخال. فنظرت لأرض الحجرة وعضيت شفتي، وكنت انتظر لأسأل نفسي: ما الذي حدث للخال؟ ولكن كلمة الخال اختفت من أي حديث، ولتختفي معه أشياء أخرى. ولماذا لم افعل شيئا حينما كنت تقسو علي؟ فأي أمراءه تافهة كنت أنا؟ 

حينما رجعت للبيت ذهبت للسباحة مع والدتي ولتعقب بقولها: لم تعودي جميلة كما كنت يوما يا سايوكو، لافترض بانك لن تستطيعي محاربة الشيخوخة، وذلك الخال كان يبدو جميلا على ظهرك. لقد عانيت جدا من ذلك الخال ولكن لم أستطع أن أخبر امي بذلك، ولكن قلت لها: يقال ليس من الصعب بان يستأصلها الطبيب. ولكن سيكون هناك ندبة. كانت امي تمزح بلطف عن الخال، وتضحك باني العب بالخال بعد ان تزوجت. نعمكنت العب بالخال. كنا نعتقد ذلك، لكنها كانت عادة سيئة، وكنت اغضب منك على ذلك، ومتى بدأ ذلك؟ متى يظهر الخال في الأطفال؟ اطفالي لم يكن لديهم. ولكنها تظهر بعد ذلك ولا تختفي، ولكن لا تكون عادة بهذا الحجم. ونظرت امي لكتفي وضحكت. فقد كنت العب بالخال وانا شابه، وكانت اختي وامي يمزحون ويضحكون بلمس واللعب بهذا الخال، بل وليعبرون عن حبهم لي من خلال هذا اللعب، وانا متحيرة اليوم، اليس اللعب بالخال نوع من التعبير عن المحبة؟ وليختلط علي ذلك اليوم، وليتحول للعنة لي كزوجة، وقد تنتهي هذه العلاقة بالطلاق. وهذه هي قصتي الكاملة عن الخال، فعادة اللعب مع الخال شيء صغير، ولكن أليست هذه الاشياء الصغيرة هي التي حولتني لزوجة سيئة؟ ألم يتحول لديك شعوري بحبك إلى رفضك لتفهم عمق سيكولوجية هذا الحب؟ ولنا لقاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي