: آخر تحديث

مجزرة المسجدين وسياسة الكيل بمكيالين

15
15
15
مواضيع ذات صلة

لا يمكن اعتبار الإرهاب ظاهرة طارئة او مؤقتة، فالغلو والتطرف اللذان يقودان الى الإرهاب لهما جذور تاريخية في جميع الأديان السماوية والإيديولوجيات البشرية وهي من صنع الإنسان نفسه، كما ان الإرهاب اصبح ظاهرة متداخلة ومترابطة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكلما تأزمت هذه الأوضاع ارتفعت وتيرة الإرهاب والعكس صحيح، ويبقى العامل الفكري المتطرف الذي يقود الى الوهم الزائف بامتلاك الحقيقة المطلقة هو السبب الجوهري للإرهاب.

كشفت مجزرة نيوزيلندا التي وقعت في مدينة "كرايتس تشيرش" يوم الجمعة 15 من الشهر الجاري والتي راح ضحيتها 100 إنسان بين قتيل وجريح عن حجم ما وصل إليه اليمين المتطرف، والعنصرية المتفشية في الغرب من خطر داهم، أصبح  يهدد الأقليات المسلمة في بلاد الغرب.  لم يكن الحال هكذا قبل سنوات،  لكن استمرار تغذية اليمين المتطرف من قبل إعلاميين وسياسيين أوربيين سمم المناخ الأوربي العام،  وعزز ظاهرة الاسلاموفوبيا حتي أصبحت هاجسا مرعبا للأوربيين، وساهمت في عزل المسلمين والتنكيل بهم.

حكومة نيوزيلندا التي وقعت الجريمة على أراضيها واستهدفت فئة من شعبها، صنفت جرم السفاح الأسترالي "بريندونتارانت" على انه "عملا إرهابيا"، بينما تجنبت بعض وسائل الإعلام الغربية هذا الوصف من منطلق عنصري معاد للعرب والمسلمين. أما وزير الداخلية الإيطالي "ماتيو سالفيني" فكان تعقيبه على المجزرة بالقول "إن التطرف الإسلامي لا يزال هو الأخطر على القارة العجوز". وكذلك القى النائب الأسترالي السيناتور "فريزر أنينغ" باللوم على المسلمين في ما حدث في نيوزيلندا، واصدر بيانا اعتبر فيه ان السبب الحقيقي لسفك الدماء في شوارع نيوزيلندا هو برنامج الهجرة الذي يسمح للمسلمين المتعصبين بالهجرة الى نيوزيلندا.

لقد تعودنا على سياسة الكيل بمكيالين من قبل وسائل الاعلام الناطقة باسم اليمين المتطرف في تبرير إرهاب المتطرفين من غير المسلمين بحجة المرض النفسي او الجنون. يحدث هذا بسبب غياب التعريف الدولي الواضح للإرهاب، وعليه اصبح من الضروري ان يطالب العالمين (العربي والإسلامي) بوضع تعريف للإرهاب يتفق عليه المجتمع الدولي ويكون فاصلا ومميزا بين الإرهاب ونضال الشعوب من اجل التحرر الوطني واحقاق العدالة الاجتماعية.

الدفاع عن الإسلام مسؤولية جماعية واجبة على كل مسلم. السؤال: هل قام كل فرد منا بواجبه نحو دينه؟ الجواب بالطبع "لا". العبادات في المنظومة الإسلامية لا تتجاوز 10 الى 15 في المائة وهي علاقة خاصة بين الانسان وخالقه، والنسبة الباقية، أي 85 الى 90 في المائة، تتعلق بالأخلاق والمعاملات بين البشر،"إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق". الحقيقة اننا فشلنا فشلا ذريعا في توضيح مقاصد الإسلام الصحيحة في التعامل مع بعضنا البعض والآخرين من اتباع الديانات السماوية وغير السماوية. 

الإسلام بعقيدته السمحة ومفاهيمه الإنسانية قد سلبه دعاة وقادة الجماعات الأصولية المتطرفة منذ الاحتلال الروسي لأفغانستان في 25 ديسمبر 1979م، وحرفوه عن مواضعه السامية التي وضعها فيه الخالق "جلت قدرته"، وقد آن الآوان ان تنهض الأمة الإسلامية بقيادة رجال دينها المخلصين ومفكريها ومثقفيها لاسترداد دينهم الصحيح وعقيدتهم النقية من ايدي هؤلاء المتطرفون، وإنقاذ شعوبهم من ثقافة الانتقام الأعمى والقتل العشوائي والتخريب بلا اهداف تخدم الأمة.

وفي الوقت الذي نطالب فيه قادة المسلمين الروحيين والسياسيين والمفكرين باسترداد دينهم وعقيدتهم من الغلاة الذين عاثوا فيهما فسادا، نطالب كذلك قادة الدول الغربية بأن يساعدوا العالم الإسلامي في معالجة أسباب الإرهاب الحقيقة وهي ليست بخافية عليهم، بل هم على علم واضح بها، وتأتي القضية الفلسطينية على رأس هذه الأسباب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي