: آخر تحديث

المواقف الدولية من الحراك الجزائري

13
10
10
مواضيع ذات صلة

فور إعلان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة التراجع عن الترشح لعهدة خامسة وتأجيل الانتخابات المزمع عقدها في أبريل القادم ، بادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإعلان عن ترحيبه بالخطوة  معتبرا أن القرار "يفتح صفحة جديدة في تاريخ الجزائر"، داعيا لأن تكون مدة الفترة الانتقالية قصيرة و"معقولة " . ومن المتوقع أن تتوالى التصريحات قادة العالم المرحبة بالخطوة، بعد أن سادت حالة من الترقب خيّمت طيلة الأسابيع المنصرمة على الأوساط السياسية الدولية حيال الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر. فيما كانت الولايات المتحدة قد اعلنت خلال الاحتجاجات على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية أن "الولايات المتحدة تدعم الشعب الجزائري و حقه في التظاهر السلمي". كما دعت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية من جانبها إلى احترام " حرية التعبير والتجمع المدرجة في الدستور الجزائري". 

تصريحات مقتضبة عامة، أخفت تخوفًا عميقًا مما ستؤول إليه الأمور، لا سيما في فرنسا إذ أن انعكاسات ذلك ستطالها بالدرجة الأولى .حيث أكدت أوساط الإليزيه أن الرئيس وفريقه الحكومي منشغلون جدا بالملف الجزائري ، فالجزائريون هم الجالية الأكبر في فرنسا حيث يصل عدد مزدوجي الجنسية فيها إلى أكثر من مليون شخص، وقد نظموا عدة وقفات احتجاجية مؤيدة لحراك الداخل الجزائري .

وعلى الرغم من أن  قرار بو تفليقة أدى إلى سحب فتيل الأزمة أو تأجيلها، إلا أن معادلة صعبة  تواجه قادة العالم حيال الوضع ، مع غياب تصور واضح محسوم في قضية شائكة.  فالمواقف الدولية، والإقليمية ، تتعقد حساباتها بشكل كبير، لا سيما وان انعكاس التطورات على القارة العجوز سيتجلى في ثلاث قضايا أساسية ، أولها الخوف من تدفق المهاجرين، وثانيها ارتفاع مخاطر الإرهاب في أوروبا ، وثالثها تأثر المصالح الاقتصادية .

فمصالح الدول الأوروبية  بشكل خاص وعلى رأسها فرنسا مرتبطة بالاستقرار، وموازين القوى . وهم يَسعون بشكل جدّي حثيث إلى ابتكار "طريق ثالث " للخروج من المعادلة الصعبة . مع الأخذ بعين الإعتبار نقاط محورية عدة أهمها : 

أولاً : الدول الغربية يهمها التعامل مع نظام يضمن لها مصالحها واستقرارها بالدرجة الأولى، ولا يهمها "شخص الرئيس"  بحدّ ذاته. وعلى الرغم من تراجع بوتفليقة عن الترشح إلا أن سجالا قانونيًّا ودستوريًّا يحتدم في الأواسط الجزائرية حول تمديد الرئيس لعهدته الرابعة.حيث يرى مراقبون ، أن النظام الحاكم الفعلي في الجزائري هيمن عليه الحرس القديم الذي يسعى إلى إطالة فترة الضبابية تلك، في محاولة إلهاء الشعب بغاية تهريب ما أمكن من الأموال المنهوبة من الثروة الوطنية إلى خارج الجزائر، تحسبًّا لأي محاسبةٍ شعبية أو قانونية  قد تطال الفاسدين إذا تغيرت الأمور عما هي عليه الآن.

ثانيًّا : الدول الغربية تَخشى على أمنها بالدرجة الأولى و تداعيات موجات الهجرة إلى أراضيها ؛ فهي لا تأبه بديموقراطية الشعوب أو حقوقها أو رفاهيتها ،  بل لا ترى ذلك إلا من خلال ما يتوافق مع مصالحها المستقبلية ، وأمنها  قبل كل شيئ . وبالتالي تتجه الانظار نحو دعم الإستقرار خشية الانجرار إلى الفوضى، التي ستؤدي بطبيعة الحال إلى انفلات موجات الهجرة الغير شرعية باتجاه أوروبا من جنوب المتوسّط إلى شماله عن طريق الجزائر، وهو ما يؤثر على استقرار النظام السياسي الأوروبي بشكل مباشر. علاوة على انعكاسات ذلك على الداخل البنيوي لشعوب أوروبا وارتفاع  أصوات اليمين المطالبين بالتعاطي بشكل صارم مع ملف المهاجرين . 

ثالثًا : تتجه أنظار الدول الغربية نحو موقف الجيش الجزائري ، في ظلّ الخوف من انزلاق البلاد إلى العنف، إذ لا زالت تجربة سنوات التسعينات قابعة في الأذهان . وفي هذ السياق بعث قائد الجيش أحمد قايد صالح في خطاباته الأخيرة رسائل مزدوجة للداخل والخارجعلى حدٍّ سواء؛ فهو طمأن الخارج ولا سيما الدول الأوروبية ، أن الأمور ستبقى مُستقرة وأن المصالح الأجنبية ستكون في الحفظ والصون ، في إشارة ضمنية إلى أن الجيش سيكون الراعي للمرحلة المقبلة . كما حذرّ في الوقت عينه الدّاخل الجزائري من العودة إلى "سنوات الرصاص " والعشرية السوداء. 

أخيرا،  فقد كشفت شعارات الاحتجاجات وَ رُقيها وسلميتها أنه شعب لا زال  يعيش دينامياته ، كما أظهرت بشكل لا يدع مجالا للشك  أن "الشعب" في وادٍ و "الأحزاب السياسية " كلها من الموالاة و المعارضة في وادٍ آخر .  فالأحزاب المعارضة كلها فشلت في الاتفاق على مرشح رئاسي واحد ، وهي أحزاب تعارض شكليًّا فيما هي على الحقيقة ولدت من رحم النظام نفسه. لذلك فإن الدول الأوروبية  لا يمكن أن تعوّل على الأحزاب وتترقب بحذر ما ستؤول إليه الأمور بعد أن قال الشعب   كلمته .

فهل ستتمكن الجزائر من الخروج من عنق الزجاجة بسلام ؟ وهل ستفتح  خطوة تراجع بوتفليقة عن الترشح الباب لإصلاحات حقيقية تضمن انتقالٍ سلمي سلسٍ دون مواجهة ؟

فالشعب يطلع إلى إستراتيجية سلمية  تُخرجه من الجمود السياسي دون مواجهة مع رجال الأمن والجيش الوطني ، كما يتطلع إلى مستقبل مؤسسات تعمل بشفافية و نزاهة تخرجه من وحل الفساد بعد أن احتلت الجزائر المرتبة 112 من أصل 180 في تقرير التنافسية العالمية للعام الفائت.فيما الدول الغربية تتابع بحذر، معالم المرحلة المقبلة ، التي لا تبدو واضحة أو محسومة ،  إذ  يحتاج الأمر للكثير من الحكمة والصبر والحنكة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي