: آخر تحديث

رؤية مغايرة لقصة الكون المرئي

4
3
3
مواضيع ذات صلة

إثر تراكم النظريات والفرضيات  والحصيلة الهائلة  من عمليات المراقبة والرصد والمشاهدة على مدى عقود طويلة، لم يعثر العلماء على الجزء الأهم والأكبر في الكون المرئي ألا وهو " المادة المضادة ، والمادة السوداء أو المظلمة، والطاقة المظلمة أو المعتمة " مما دفع بالبعض منهم على نحو جدي، إلى إعادة النظر في جميع النظريات والفرضيات المتوفرة والمدروسة حالياً في الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية المتخصصة في علم الكونيات والفيزياء النظرية والفيزياء الفلكية .

فعلى مدى  أكثر من نصف قرن، وعلماء الفيزياء يبحثون، بلا كلل أو توقف وبدون انقطاع، عن المادة السوداء أو المظلمة دون أن يحققوا أي نجاح يذكر، والأمر نفسه ينطبق على جهود البحث عن الطاقة المظلمة أو المعتمة التي فرضت نفسها نظرياً على الوسط العلمي منذ أكثر من ربع قرن  وهما المكونان الأكثر غرابة وغموضاً ولغزية في الكون المرئي . 

هل أخطأ العلماء  أو ساروا في طريق خاطئة ؟ " من الصعب جداً أن نعرف ، متى يمكننا تحديد أن الشذوذ الناشئ في أي نموذج كوني، كافي ومهم بالقدر الذي يتيح لنا أن ندعو إلى هجر النموذج والتخلي عنه علمياً " كما يقول العالم الفرنسي توماس لوبلتييه Thomas Lepeltier، صاحب كتاب " الوجه الخفي للكون، قصة أخرى مغايرة لعلم الكونيات La Face Cachée de l’univers, une autre histoire de la cosmoligie" الحاصل على الدكتوراه يحتل كرسي الأستاذية في الفيزياء الفلكية ومؤرخ للعلوم "بعبارة أخرى يتساءل هذا العالم متى يمكن للجهود المبذولة في مجال ما، اعتبارها عناداً لا طائل منه وغير مقبولة علمياً ؟ والحال أن هذا التساؤل من الحساسية بمكان أننا نتواجد دائماً في وضع تكون فيه الرغبة لتأكيد صحة النموذج عالية جداً أكبر بكثير من الرغبة في دحضه . وهو حال العالم توماس بوشير Thomas Buchert، من مركز الأبحاث في الفيزياء الفلكية في ليون ـ فرنساالتابع للمركز الوطني للأبحاث العلمية والحائز على منحة من المجلس الأوروبي للأبحاث سنة 2017 لمشروعه المسمى آرتهوس ​RThUS الذي يعمل على دراسة تأثيرات غياب التجانس والإتساق في الكوسمولوجياالنسبية " والذي ينطوي على العودة الصارمة والملتزمة بمعطيات النسبية العامة لآينشتين ، وكيف يمكن لحسابات رياضياتية دقيقة ومضبوطة تسمح بتجاوز عقبة الطاقة المظلمة أو المعتمة وتجاهلها أو اعتبارها غير موجودة . فالنموذج المعياري للكوسمولوجيا يعتبر الكون متجانساً ، وذلك يعني أن جميع وجهات وزوايا النظر فيه متساوية داخله، كما يوضح علماء الكوسمولوجياالتقليديين . كما لو أننا نستخدم الهندسة النيوتنية ، التي تتعامل مع فضاء ثابت ، ولكن بعد إجراء بعض التعديلات والتصحيحات النسبية ، وفي هذه الحالة يتوجب علينا اللجوء إلى المادة السوداء أو المظلمة والطاقة المعتمة أو المظلمة ، بيد أن التوزع المنظور والمرصود للمجرات يسمح بصياغة فرضية أو نظرية أخرى مغايرة بسبب أن الكون في حقيقته ليس فقط غير متجانس بسبب توزع المادة بل وكذلك بسبب هيكيليتهوهندسته . 

هل يمكن أن نقول وداعاً للطاقة المظلمة أو المعتمة التي تمدد وتوسع الكون؟ ربما. فحل معادلات النسبية العامة لكون غير متجانس تبدي لنا في غاية التعقيد ما يتطلب أو يستدعي التخلي عن الفرضيات والنظريات التي تعد مفتاح  النموذج المعياري ولكن في الحصيلة النهائية ستقوم المادة المرئية بتفسير شكل الفضاء أو المكان ولن تعد هناك حاجة لدعوة أي شيء إسمه  طاقة مظلمة أو معتمة تقوم بتمديد الكون على نحو متسارع ، ويتعين علينا إنتظار الإنتهاء من مشروع آرتهوس ​RThUS في آب 2022 لكي تشق الفكرة طريقها في الوسط العلمي المتخصص. 

في المقابل، يرغب الباحث والعالم غابرييل شاردان Gabriel Chardin المدير العلمي المساعد للمعهد الوطني للفيزياء النووية وفيزياء الجسيمات  في المركز الوطني للأبحاث العلمية ، بتفحص نظرية أخرى مغايرة ركنها الفيزيائيون على جهة واستبعدوها مؤقتاً وهي الفرضية والنظرية القائلة بوجود كتل سالبة masses négatives بالتوازي مع الكتلة الموجبة masses positives التي نعرفها مثلما يوجد شحنات كهربائية موجبة وسالبة. فالجسيمات الأولية للمادة المضادة مزودة بالكتلة السالبة كما تفترض هذه النظرية. والمادة المضادة هي القرين للمادة العادية واللذين ظهرا في نفس الوقت ، والمختفية حالياً ولم يعثر عليها العلماء بعد وليس لها أي اثر اليوم في كوننا المرئي مما يشكل لغزاً في النموذج المعياري. يؤكد العالم غابرييل شاردان Gabriel Chardin قائلاً :" في النموذج الكوسمولوجي الذي اقترحناه وطورناه مع أورليان بنواليفي Aurélien Benoit Lévy، وأسميناه " كون ديراك ميلن Univers de Dirac – Milne، تتموضعالمادة المضادة في المناطق الكائنة بين المجرات، و التي كنا نعتقد أنها فارغة . فبينما تقوم الكتل الموجبة بعملية الجذب تقوم الكتل السالبة بعملية النبذ والطرد والنتيجة أن الأولى تقود إلى تشكل البنى الكبرى للكون في حين أن جسيمات المادة المضادة تنتشر بين المجرات وتستمر بعملية الدفع للهيكيليات الكونية الكبرى مشكلة فضاءاًفي حالة توسع وتمدد دون الحاجة للطاقة المظلمة أو المعتمة . يرد المعارضون والمنتقدون لهذه النظرية بأن المادة والمادة المضادة يفنيان بعضهما البعض باعثتين لأشعة غاما وبالتالي كان يجب أن رصدها ويرد عليهم شاردان " هناك منطقة فراغ تصل بين المادة والمادة المضادة تمنع احتكاكهما وتفاعلهما وبالتالي تتيح تفادي الالتقاء بينهما وفنائهما المباشر. ولكن من وقت لآخر هناك رشقة من المادة التي يبعثها الكوازار ، على سبيل المثال، يمكن أن تخترق وتتغلغل في السحابة أو الغيمة الباردة للمادة المضادة ما ينتج دفقات من أشغة غاماهي تلك التي نرصدها بين الفينة والأخرى . والحال أن وجود هذين النوعين من الكتلة يغير سمات وخصائص الفراغ مما يغير  من قوانين الثقالة أو الجاذبية حسب هذه النظرية المعروفة بنظرية موند MOND ، فهذه النظرية تسمح بالتخلي والاستغناء عن المادة المظلمة أو السوداء والطاقة المظلمة أو المعتمة وتحل لغز المادة المضادة بقي  أن نتيقن من أن للمادة المضادة كتلة سالبة وهذا محل تجارب تجرى حالياً لإثبات ذلك. تجدر الإشارة إلى أن العالم الفرنسي جون بيير بتي سبق أن تحدث في نموذجه الكوسمولوجي، المستوحى من الأوميين، عن الكتلة السالبة والمادة المضادة التي تشكل كوناً توأم لكوننا المرئي. يتبع


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي