: آخر تحديث

عمر الكون ومعضلة الزمن 9

6
6
6
مواضيع ذات صلة

تتعاطى النسبية العامة لآينشتين مع الكون المرئي والمنظور وتصفه على مستويات ونطاقات كبيرة جداً ماكروكوزميك وبالتالي فإن الحلقات الزمكانية المغلقة  Boucles spatiotemporelles fermées  التي تنبأت بها تكون هائلة جداً. وبالعكس من ذلك،فإن النظرية الكمومية أو الكوانتية تتعاطى وتصف العالم على مستويات ونطاقات غاية في الصغر أي مادون الذرية، ميكروكوزميك ، فهل يمكننا أن نتساءل حول ما إذا كان ممكناً وجود الحلقات الزمانية المغلقة على هذه المستويات والنطاقات مادون الذرية؟ في هذه المستويات الدنيا  الصغيرة جداً أو مادون المجهرية ، يمكننا أن نتوقع أن نجد بأن توبولوجيا topologie الزمكان ، أو شكله، لن يكون ثابتاً أو مستقراً. يمكننا أن نتصور بأن تقلبات وخلخلات كمومية عشوائية، تخلق منحنيات زمكانية مغلقة إذا لم يتواجد شيء جوهري يمنع حدوثها ، كما يشرح لنا العالم جون فريدمان  Jon Friedman  من جامعة ويسكونسن ، وهل يمكن لتلك الخلخلات والتقلبات fluctuations الكمومية أو الكوانتية ، بطريقة أو بأخرى، أن تضخم ويتم تحويلها إلى نوع من آلة السفر عبر الزمن والعودة للماضي؟ لا يوجد أي دليل علمي ملموس عن استحالة وجود منحنيات زمكانية مغلقة في النطاقات الميكروسكوبية مادون الذرية أو المجهرية، كما يوضح جون فريدمان. إلا أن أغلب من درس هذه الظواهر الفيزيائية لايعتقد بوجود مثل تلك الحلقات والمنحنيات الزمكانية المغلقة على المستوى مادون الذري أو النطاق المجهري اللامتناهي في الصغر بحدود 10- 30 من السنتمتر. مما لا شك فيه أن خلق حلقة زمكانية مغلقة على المستوى أو النطاق الكمومي أو الكوانتي ، ينطوي على نشوء ظواهر فيزيائية متطرفة. وبالتالي بوسعنا أن نتوقع أن مثل تلك الظواهر الفيزيائية المتطرفة قادت إلى ولادة الكون الذي نعرفه كما يقول العالم ريشار غوت   Richard Gott. وفي عام 1998 نشر ريشار غوت ، مع العالم الفيزيائي  والفلكي الصيني من جامعة بكين لي كسن Li-Xin، نشرا بحثاً يؤكد، ليس فقط، أن المنحنيات الزمكانية المغلقة ممكنة الحدوث في النطاقات الكمومية أو الكوانتية فحسب ، بل أنها ضرورية لتفسير أصل الكون المرئي أو المنظور وأن يكون الكون هو الأم التي تلده أي الكون يلد نفسه، أي أن حلقة زمكانية مغلقة جعلت من الممكن خلق ونشوء الكون المرئي حسب ريشار غوت.

وكما في نموذج الانفجار العظيم " البغ بانغ" فإن كون العالمين ريشار غوت ولي كسن يبدأ بمرحلة " تضخم" inflationحيث يتواجد مجال أو حقل من الطاقة في كل مكان هو الذي نسميه " التضخم" وهو الذي أدى إلى حصول التوسع الأساسي الأولي السريع جداً للكون المرئي. واليوم يعتقد العديد من علماء الكونيات الكوسمولوجيين أن التضخم قد تسبب في ولادة عدد لا نهائي من الأكوان " فعندما يبدأ التضخم بات من الصعب جداً وقفه" ، كما يشير ريشار غوت ، فهو يخلق شجرة تتضمن عدد لانهائي من الأغصان أو الفروع  ــ الأكوان ـــ وما كوننا سوى واحد منها فما هو الجذع الأساسي لتلك الفروع والأغصان لتلك الشجرة الكونية؟ يفترض العالمان غوت وليكسن أن الحلقة  الزمكانية المغلقة الأولى في النطاق الكمومي أو الكوانتي من ضمن التعدد اللانهائي للفروع ، قد انغلقت على نفسها وانطوت بشدة لتشكل الجذع بعد أن تنامت". وهناك رسم تخطيطي للنموذج الكوني لريشار غوت ولي كسن للكون الخالق لذاته وبنفسه على شكل رقم ستة  6 طرفه العلوي المفتوح يمثل الكون المتوسع الذي نعيش فيه وطرفه السفلي عبارة عن حلقة زمكانية مغلقة تكونت إثر التقلبات الكمومية المشار إليها، وتفرعت بعد التضخم لتنتج عدد لانهائي من الفروع ــ الأكوان ـــ وتشكل الجذع الرئيسي الحامل للأغصان والفروع،هي الأصل المفترض لكوننا المرئي . فالقفزة الزمكانية المفاجئة  للتضخم العظيم المفاجيء داخل تلك الحلقة الزمكانية قد أنتجت ومدت كوننا المرئي لتعطينا الكون الذي نعرفه ونعيش فيه. إن هذه الرؤية تثير الدهشة والحيرة إلا أن ريشار غوت يوضح لنا بأن من مميزاتها أنها تلتف على صعوبة تصور فرضية خلق الكون من لاشيء الذي اقترحه لورنس كراوس إلى جانب ألكسندر فيلينكن  ، من جامعة توفت، وستيفن هوكينغ،  من جامعة كمبردج، وجيمس هارتل ، من جامعة كاليفورنيا في سانتا بربارا  وهم جميعهم اقترحوا نماذج كونية نشأت من لاشيء. ففي الرؤية الكمومية أو الكوانتي، لايوجد فضاء فارغ حقاً أو تماماً ، بل يكون مليئاً بالجسيمات " الافتراضية " التي تولد وتختفي بسرعة هائلة وعلى الدوام ، ويعتقد ستيفن هوكينغ ورفاقه أن الكون نشأ إنطلاقاً من هذا الفراغ الكمومي أو الكوانتي في حين يقول لنا ريشار غوت ولي كسن أن الكون لم ينشأ من لاشيء بل من ذاته .

مازلنا غير متيقنين من أن إحدى هذه النظريات ستشرح لنا على نحو مؤكد وقطعي أصل الكون المرئي، وتعطينا عمره الحقيقي . كان العالم الفيزيائي الفذ ريشار فينمان Richard Feynman قد قارن الكون بلعبة شطرنج بين الآلهة ، واضاف بأن الباحثين والعلماء يحاولون فهم اللعبة دون أن يفهموا أو يستوعبوا قواعد اللعبة . فهم يراقبون الالهة وهي تدفع بالبيادق من مربع إلى آخر وعلى ذلك يبنون حدسهم واستنتاجهم لقاعدة من القواعد ويلاحظون أن البيادق تتقدم دائماً إلى الأمام ، ولكن بما أنهم لم يشاهدوا بداية اللعبة فلن يمكنهم معرفة أن بوسع بيدق أن يتقدم مربعين من موقعه الأساسي الأصلي كما يمكن ، في بعض مراحل اللعبة، أن يغير البيدق من طبيعته ودوره ويتحول إلى " ملكة" . يبدو ذلك مثيرا للفضول ومناقضاً لقواعد اللعبة، كما يشير ريشار غوت ومع ذلك ليس ذلك سوى جزء أساسي من اللعبة ، ونحن نجهل ذلك فقط لأننا لم نكن شهوداً على جزء من اللعبة التي يحدث فيها هذا الشيء على نحو متطرف، أي تقدم البيدق مربعين أو أكثر وتحوله إلى ملك. لذلك فإن البحث بشأن السفر عبر الزمن والعودة إلى الماضي يشبه هذا المثال . فهو يتضمن عملية تقصي ما ستكون عليه قوانين الفيزياء في بعض الظروف والشروط المتطرفة القصوى، فلا يوجد منطق يمنع الترحال نحو الماضي حتى لو تعلق الأمر بكون لانعيش فيه ، بعبارة أخرى ، إن تحول البيدق إلى ملكة يمكن أن يكون جزء من قوانين النسبية العامة الآينشتينية.

إن مثل هذه الافتراضات والمضاربات الفكرية قد تكون أقرب للفلسفة منها للفيزياء ، ولكن في الوقت الحاضر فإن النظرية الكمومية أو الكوانتية والنظرية لنسبية العامة هي كل ما نملك لفهم الكون المرئي في الوقت الحاضر فهما يشكلان الدعامتين الرئيسيتين للفيزياء الحديثة  وللكوسمولوجيا المعاصرة. فالباحثون الذين يخلطون بين النظرية الكمومية والنسبية الآينشتينية العامة ، خاصة في مجال اكوسمولوجيا، لايمتلكون، في حقيقة الأمر، اية فكرة واضحة عما يقومون به. كما يقول تيم مودلان Tim Maudlin، وهو فيلسوف ومتخصص في فلسفة العلم في جامعة نيويورك. فلا يوجد هنا رياضيات صارمة ومعقدة بل خلطة غير متجانسة لمقاطع من النسبية العامة ومقاطع تشبه الفيزياء الكمومية أو الكوانتية ، لأنهم يجهلون كيف تتقدم الأمور على نحو يتضمن معنى ما ، يكون مقبولاً ومنطقياً ومع ذلك هذا ما يجب أن يقوم به ويفعله الباحثون إذا أردوا التقدم للوصول إلى النظرية القصوى  ، وربما تكون النظرية المستقبلية مدعاة لأن تلغي إمكانية السفر نحو الماضي ، أو ربما تكشف  لنا عكس ذلك تماماً ، أي عما هو أكثر غرابة  وغموضاً مما نظن ونعتقد أن يكون عليه كوننا المرئي. فمنذ أن أعاد آينشتين صياغة تصورنا وإدراكنا وفهمنا لمفهوم الزمن ، الذي مايزال يشكل معضلة تستعصي على الحل ، لا تزال الفيزياء تحقق نجاحاً وتقدماً باهراًن وقد يكون السفر في آلة الزمن التي تخيلها هـ ج ويلز أمراً ممكناً في المستقبل وواقعاً عادياً حتى لو لم نتوصل لحد الآن إلى صنع مركبة تسير بسرعة هائلة قريبة من سرعة الضوء لزيارة المستقبل وهو الأمر الأكثر سهولة ومثبت علمياً بالتجارب المختبرية ، وربما هناك نوع من التماثلية والتناظر الكوني  الذب سيسمح لنا بزيارة الماضي الذي قد يتواجد في الكون الموازي لكوننا .

يتبع


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي