: آخر تحديث

"العسكر" لا يصلحون للحكم

10
7
9
مواضيع ذات صلة

يوم الأربعاء السادس من الشهر الجاري، وجهت المحكمة العليا في باكستان انتقادات لاذعة للمؤسسة العسكرية واسعة النفوذ ووكالات الاستخبارات ودعتهما للتمسك بحرية التعبير والنأي عن السياسة في بلد حكمه العسكر لأكثر من نصف تاريخه. جاءت هذه الانتقادات القوية غير المعهودة في حكم للمحكمة العليا ينتقد دور وكالات الاستخبارات في الاحتجاجات ضد التجديف التي شلت العاصمة لعدة أسابيع في العام 2017م. وقالت المحكمة في الحكم الذي نشرته على موقعها الالكتروني: "اذا انغمس أي فرد من القوات المسلحة في أي شكل من اشكال السياسة او محاولة التلاعب بالإعلام، فهو يقوض تماسك ومهنية القوات المسلحة". كما ان الدستور يحظر بشكل قاطع على عناصر القوات المسلحة الانخراط في أي صورة من صور النشاط السياسي.

من المعروف والمتفق عليه، أن الجيش في الدولة الديمقراطية المدنية مؤسسة سيادية كغيرها من المؤسسات السيادية المتعددة التي نص عليها الدستور (السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية)، وهي المؤسسة التي تتمتع بالحياد التام تجاه النظام السياسي القائم، ولا يمارس إلا المهام المقررة له دستورياً والمحددة بحفظ كيان الوطن وسيادة الدولة من الأخطارالخارجية. الدولة المدنية لا تعرف ظاهرة الانقلابات العسكرية أو ظاهرة تدخل الجيش في الشأن السياسي من خلال دعم حزب سياسي ضد حزب آخر خلال عملية التنافس السلمي على السلطة، وذلك لأن السياسة في النظام الديمقراطي هي ممارسةمدنية بحته، ومجال مفتوح لجميع المواطنين، وحق من حقوقهم المدنية التي كفلها الدستور سواء من حيث تشكيل الأحزاب السياسية والترشح في الانتخابات العامة وغيرها.

يعرف فلاسفة الفكر الدولة بأنها: "الكيان السيادي الجامع لكل عناصر القوة السيادية للشعب، وتمارس الحكم عبر نظام سياسي تعددي مؤسسي يعبر عن ماهية الشعب، ويحقق مبدأ سيادته على نفسه وأرضه وثرواته الطبيعية وغيرها، وبالتالي فالدولة وفق هذا المفهوم هي من الثوابت الأساسية. أما السلطة فتعرف بأنها سلطة حكم منتخبة لإدارة الشأن العام التنفيذي لفترة زمنية محددة وفقا للدستور، وبالتالي هي ليست من الثوابت بل من المتغيرات الوطنية. لم تكن الدول الديمقراطية مخطئة عندما حسمت العلاقة بين الجيش والأمن وبين الممارسة السياسية بتحريم ممارسة السياسة على أفراد وقادة القوات المسلحة وأجهزة الأمن، واعتبارها مخالفة قانونية يعاقب عليها،وتخيير العسكريين ورجال الأمن بين العمل في هذه المهنة أو العمل في السياسة وليس الجمع بينهما.

الجيوش في الدول الديمقراطية الأوربية والغربية لا تعرف ظاهرة الانقلابات العسكرية، أو تتدخل في الشؤون السياسية من حيث فرض حكومات بعينها أو إسقاطها، ولا تعرف ظاهرة الحزبية،ولا تعتمد إلا على الكفاءة في العمل العسكري، أي باختصار هيجيوش محترفة دون ولاءات سياسية لأي جهة. لهذا السبب تطورت وتقدمت هذه البلدان على كل الصعد بسبب الاستقرار والأمن وسيادة القانون.

اتسم الحكم في باكستان خلال السنوات السبعين الماضية من تاريخها بتبادل الادوار بين الحكم المدني والعسكري، اذ حكمها العسكر مدة لا تقل عن 40 سنة بعد القيام بانقلابات عسكرية ضد اغلب الحكومات المدنية والغاء نتائج الانتخابات وتعطيل الدستور وحظر الاحزاب السياسية. ولا زال دور الجيش قويا وملموسا حتى في ظل الحكومات المدنية التي وصلت الى الحكم عبر الانتخابات. 

العالم العربي كذلك لم يسلم من هذه الظاهرة السلبية، فالدول التي تحررت من الاستعمار في منتصف القرن الماضي (مصر وسوريا والعراق والسودان والجزائر وليبيا والصومال)، كلها وقعت تحت حكم العسكر حتى انتفاضات الربيع العربي عام 2011م، وبعضها شهد انقلابات عسكرية مضادة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. اثبت التاريخ الحديث بالتجربة والواقع ان العسكر لا يصلحون للحكم سواء في العالم العربي والإسلامي او غيره من بلدان العالم الثالث (أمريكا اللاتينية وإفريقيا). الدول التي استطاعت إبعاد الجيش عن السياسية مثل الأرجنتين والبرازيل وتركيا حققت نجاحات كبيرة  على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال فترة زمنية قياسية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي