: آخر تحديث

عن أزمات الاتحاد الأوربي

22
15
18
مواضيع ذات صلة

تشكل الاتحاد الأوربي على أيدي كل من الزعيم الاشتراكي الفرنسي متيران وقرينه الألماني. وفي الوقت نفسه ابرما اتفاقية شانغين سراً دون الإعلان عنها في وقتها، حتى أن وزير الداخلية الفرنسي نفسه لم يعلم بها إلا عندما كشف عنها احد أعضاء البرلمان الفرنسي، وفي البدء عارضها اليمين المعتدل ولكنه فيما بعد سار معها. أما اليمين المتطرف فقد عارضها على اعتبار أنها تلغي حدود دول الاتحاد وتسمح للمجرمين والمهاجرين غير الشرعيين بالتدفق من دولة إلى أخرى بكل حرية. 

لقد نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية تجمع أوربي غربي من 7 دول فقط، كانت متقاربة في مستواها الاقتصادي وقوانينها ، وسمي التكتل بـ(السوق الأوربية المشتركة) ولم يحدث أن تعرض إلى أية أزمة حادة . أماالاتحاد الأوربي هذا فقد قام على أساس كمّي ، أي فتح الباب أمام كل دولة أوربية بصرف النظر عن مستواها الاقتصادي وقوانينها ومؤسساتها. وهذا في رأينا مصدر هام للازمات، فإذا نشأت في دولة ما أزمة ، فذلك يؤثر سلبا على بقية دول الاتحاد، كما حدث حين قامت أزمة اقتصادية حادة في اليونان.

أما أهم أزمات الاتحاد الأوربي فهي دون شك خروج بريطانيا من الاتحاد، الذي اثر سلبا على الجانبين، ولا تزال هذه الأزمة مستمرة، وفي بريطانيا خاصة. ولعل الحل الأوحد هو إعادة الاستفتاء ، وهو ما ترفضه رئيسة الوزراء تريزا ماي. وقامت مؤخرا في فرنسا أزمة كبرى بسبب غلاء المعيشة والضرائب وضعف القدرة الشرائية، ويبدو أن اليمين الشعبوي حاول استغلالها وكذلك فوضويون محسوبين على اليسار المتطرف. أن الانتخابات الأخيرة قبل حوالي العامين جاءت بالرئيس ماكرون بنسبة 66% من الأصوات، حيث أن الجماهير الواسعة كانت مصابة بخيبة أمل من الأحزاب التقليدية، وماكرون شاب انشأ حركة جديدة ثم فاز، وقد واجه تركات ثقيلة ، هي عجز مالي كبير جدا وتدني نسبة النمو الاقتصادي بأقل من المسموح به حسب معايير الاتحاد. كما انه واجه المشاكل المستقبلية الخاصة بالبيئة وتغير المناخ. وقد اثبت ماكرون انه قليل الخبرة السياسية، فقد اهتم بمعالجة مشاكل المستقبل قبل التركيز على المشاكل الآنية الكبرى لفرنسا وشعبها، وقام بخطوات متسرعة لاستبدال السيارات الراهنة بسيارات كهربائية ضمانا لصيانة البيئة ولكن هذا التسرع والارتجال كلفا ذوي الدخل المتوسط –ناهيكم عن الصغير- أعباء ضرائب جديدة أضيفت إلى ضرائب أخرى قائمة. فكان أن قامت حركة شعبية هي حركة السترات الصفر التي رافقت مظاهراتها أعمال شغب ونهب وخرق من المحترفين لهذه الأعمال الإجرامية. وقد تأخر ماكرون في المعالجة حتى كاد السيل أن يطفح ، فتدارك الأمور وسط تناقضات وأقدم على عدة إجراءات ايجابية خففت من حدة الأزمة وهدأت الجو لحد مناسب، ولكن مظاهرات الصفر مستمرة..  أن ماكرون بدأ بسلسلة إجراءات حادة دون أي شرح بلغة تفهمها الجماهير الواسعة ، بل بلغة الأستاذ الجامعي. وحين أراد تدارك الأمور ، فقد وقع في بعض التناقضات، هو وحكومته. والمأمول ان تخف الأزمة تدريجيا وان تهدأ فرنسا لتواصل لعب دورها على الساحة الدولية المليئة بالأزمات ، ونذكر أن الإجراءات التي سبق اتخاذها أوصلت العجز إلى حد معقول، وصعدت نسبة النمو إلى حوالي 3 بالمائة تلك نتائج ايجابية ولكنها كلفت ذوي الدخلين الصغير والمتوسط الكثير، فحدث الانفجار. وفي السياسة الخارجية أيضا مارس ماكرون سياسات مضطربة ، أدت إلى توتر العلاقات مع ايطاليا ، وأيضا مع الولايات المتحدة ، حليفة فرنسا والاتحاد الأوربي حيث طالب بإنشاء جيش أوربي لمواجهة أخطار قد تأتي من الصين وروسيا والولايات المتحدة... وهناك خلافات فرنسية – ايطالية حادّة حول الأزمة الليبية. ومع الأزمتين البريطانية والفرنسية ثمة مشاكل كبرى وأزمات بسبب الأوضاع الاقتصادية وبسبب الهجرة ، حيث أن دولاً كالمجر واليونان وبولونيا ترفض استقبال المزيد من المهاجرين مثلما تطالب ألمانيا. وظاهرة سلبية أخرى داخل الاتحاد هي صعود اليمين الشعبوي المتطرف، الذي يطالب بوقف قبول مهاجرين جدد، وبالانسحاب من الاتحاد الأوربي. أن الاتحاد الأوربي بحاجة إلى إعادة نظر متأنية وعميقة في أسس قيامة وممارسة ومؤسساته في بروكسل التي تمارس سلطات فوقية وتتدخل أحيانا في سيادة كل دولة، وحتى في شؤون القضاء الوطني لكل دولة. ومن أخطاء ماركرون انه، منذ بداية رئاسته، تصرف كمن جاء لإصلاح الاتحاد بدلاً من الانكباب أولا على مشاكل بلاده. هذا والموضوع متشعب وواسع ويحتمل السجال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي