: آخر تحديث

العالم المضطرب وسؤال سياسات الأخلاق

4
4
3

لو تأملنا تاريخ علم الأخلاق وتحوّره وتطوّره، لوجدنا أن الثيمة الجامعة لتشكّله تكمن في ارتباطه بشدّ العصب الذي ينتاب الإنسان في تحوّلاته، وذلك تبعاً لتغيّر واقعه الذي يجرّ معه بالضرورة مجموعة من التحديات المصحوبة بقيمٍ غير معهودة.

وآية ذلك أن جلّ الندوات والأفكار والمحاضرات المتعلقة بإمكانية صوغ سياسات تربوية جديدة تركّز على عنصر الاستحالة، ومردّ ذلك التركيز إلى فكرةٍ أساسية وهي: أن التحوّلات التي صاحبت الإنسان عبر القرون الطويلة الماضية تختلف جذرياً عن التي يعاصرها اليوم؛ حيث الثورات التكنولوجيّة، والزلازل السياسيّة، والنقاشات المفتوحة على مصراعيها والتي تفتح غالباً على القيم الأولى المؤسِّسة أبواب جهنم.

بيد أن ثمة من يعتبر هذه الفكرة فيها عنصر استسلامٍ كارثي يمكن أن يودي بمصير أجيالٍ بل وبمجتمعاتٍ بأسرها.

أيْ نعم؛ التحوّلات التي يشهدها الجيل الحاليّ الصاعد ليست مألوفة، ولكن هذا لا يعني استحالة استلهام ما يمكن من تجارب البشريّة. إن هذه الفكرة (أي استحالة الاستلهام) لم تؤرقنا نحن في هذا القرن المتخم بالصراعات العلميّة المدوّية، بل صارعها من سبقنا وعلى رأسهم الفيلسوف الاسكوتلندي العبقري ديفيد هيوم في بحوثه، وأخصّ منها مؤلفه المرجعي: «أبحاث أخلاقية... سياسيّة وأدبية».

في مقدّمته للكتاب الممهورة بتاريخ 18 أبريل (نيسان) 1776، يؤكد أن كتاباته كلها كانت قاسيةً وموجهة ضد الحماقة، وهذا مردّ تأليفه السريع الذي عهد ببعض أوراقه إلى صديقه آدم سميث، حيث كان هيوم يخاف من الموت المبكّر، وقد كان حدسه في محلّه؛ إذ لم يعش طويلاً، بل رثاه آدم سميث بعدها بأشهرٍ قليلة في رسالته الحزينة التي وجهها إلى السيد وليام ستراهان.

بيت القصيد في نظرية هيوم التي بين أيدينا يبروزها في المبحث الثالث والعشرين من الكتاب. لجأ هيوم بـ: «معيار الذوق» حين أراد تحديد التفكير بالأخلاق، إذ رأى أن «تنوّع الأذواقِ واضحٌ حتى لأقل الناس اهتماماً، نجد لدى التمعّن، أنه بالحقيقة أكبر مما هو ظاهرياً إذ تختلف مشاعر الناس غالباً فيما يتعلّق بالجمال والقبح... حتى لو كان خطابهم العام هو نفسه، فهناك مصطلحات معيّنة في كل لغةٍ توحي باللوم وأخرى توحي بالثناء، وكل الناس الذين يستخدمون اللغة ذاتها لا بد أنَّهم متفقون باستخدامها، فكل الناس يتفقون في مديح الأناقة، الخصوصية، البساطة، الروح في الكتابة، وفي لوْم الأسلوب الطنان والتكلف والبرودة والبهرجة الزائفة؛ لكن عندما يتناول النقاد الخصوصيات فإن هذا الإجماع الظاهري يختفي».

ثمّ يصل إلى زاويةٍ شديدة الدقّة في هذا التأسيس النظري حين يعتبر أن «الفرق بين الناس هو في الحقيقة أكبر مما يبدو للوهلة الأولى، ومن الواضح بالحقيقة أن الكتاب من كل الأمم وفي كل العصور يتّفقون بالثناء على العدل، والإنسانية، والشهامة، والتعقّل، والصدق، وكذلك في لوْم الصفات المعاكسة، بل حتى الشعراء والمؤلفون الآخرون الذين تعدّ كتاباتهم بصورةٍ أساسية، سارة للخيال... يتبيّن مع ذلك أنها تغرس في الذهن المبادئ الأخلاقية نفسها وتمنح ثناءها ولومها على نفس الفضائل ونفس الرذائل. هذا الإجماع الكبير يُعزى عادةً إلى تأثير المنطق البسيط الذي يدعم، في كل هذه الحالات، المشاعر المتماثلة لدى كل الناس ويمنع كل المجادلات التي تتعرض لها كثيراً من العلوم المجرّدة».

في نظري أن هيوم أراد أن يقارب تحدي القبض على جوامع الأخلاق عبر درْس العلاقة بين الأخلاق والعاطفة والتفكير من جهة، وبين الأخلاق وعلاقتها بالمنطق البسيط من جهةٍ أخرى، حينها يمكن كما توقّع تركيب مبدأ عمومي لا يصل إلى حدّ وصفه معياراً يجب الرجوع إليه، بقدر ما يمكن اعتباره صيغة ثباتٍ اعتباطيّ ولكنه يفيد.

يمكن طرح ملاحظةٍ أخرى؛ أن سياسات صوغ الأخلاق الحاليّة في هذا القرن المضطرب وفي ظلّ تيه المعاني وتصدّع المعايير ربما تعاني من قصورٍ في طبيعة الأهداف النخبويّة، ذلك أن كثافة التنظير التي نشهدها حول الموضوعات الراهنة تبيّن مستوى الخفّة في الطرح وإدمان الظهور وكثافة الردح، مما يجعل الشخصيّة النخبوية في حالةِ اضمحلال بعد تسيّد الشخصيات الخفيفة التي لا تلد إلا الفكر الخداج، حينها يكون تصويب الرأي نحو أفكارٍ أكثر دقةً وإقناعاً أمراً غاية في الصعوبة.

الخلاصة أنَّ الحيرة التي يطرحها البعض حول أسئلة الأخلاق ومستوى استحالة صوغ سياساتها في الواقع والتربية والتعليم يمكن تخفيفها حين نعثر على الأسباب التي جعلت الواقع النظري في حالٍ من الخفة والامتهان... نعم وببساطة فإن الأجيال الحاليّة لم تعد تأخذ النخب على محمل الجد ولا تجد وقتاً لفهمهم أو لمتابعتهم، إنما تخاطب الوجوه النخبوية بعضها، نرى ذلك في الميادين والورش والندوات وفي تزاحمهم على الأحاديث والدردشات على نحوٍ ملّ منه الكلّ إلا هُم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد