: آخر تحديث

الخرطوم... لماذا؟

5
4
4

يفاجئك البعض أحياناً بالسؤال: لماذا الدعوة إلى عقد الحوار السوداني - السوداني في الخرطوم، وليس في إحدى عواصم دول المنطقة، أو حتى في عاصمة أوروبية بعيدة عن مسرح الحرب؟

السؤال مشروع، لكن ربما يكون من المفيد قلبه: لماذا لا يكون الحوار في الخرطوم؟

إذا كان الهدف هو الوصول إلى توافق سوداني حقيقي -سياسي ومجتمعي- يسهم في إنهاء الحرب ويحافظ على وحدة البلاد، فإن منطق عقد الحوار داخل السودان يستحق أن يُنظر إليه باعتباره أكثر من مجرد اختيار لمكان انعقاد مؤتمر. إنه تعبير عن فكرة أساسية: أن السودانيين هم أصحاب القضية، وأن الحل الذي يبحثون عنه ينبغي أن يكون قريباً من مجتمعهم، ومتصلاً مباشرة بواقعهم، ومملوكاً لهم.

أول ما يبرر عقد الحوار في الخرطوم هو تأكيد السيادة والملكية الوطنية للعملية السياسية. فقد أثبتت السنوات الماضية أن كثرة المنصات الخارجية لا تعني بالضرورة الاقتراب من التسوية. وعقد جولات متتالية في عواصم مختلفة قد يوفر بيئة تفاوضية مريحة، لكنه يظل معرضاً لتأثير أجندات الوسطاء والدول المستضيفة، ولأن يصبح السودانيون طرفاً في عملية تصمم خارج السودان أكثر مما يكونون أصحابها.

ولا يعني ذلك إقصاء المجتمع الدولي. على العكس، يمكن أن يكون دوره أكثر فاعلية إذا انحصر في التيسير والضمان والمساعدة الفنية، بينما تبقى إدارة الحوار وأجندته ومخرجاته بيد السودانيين. وهذا هو جوهر مفهوم «الملكية السودانية» الذي أصبح حاضراً في الخطاب الدولي حول التسوية السياسية.

أما الخرطوم نفسها فليست مجرد مكان بالمعنى الجغرافي؛ إنها عاصمة البلاد ورمز وحدتها، وفي وجدان شعبها. ولذلك فإن اجتماع السودانيين فيها للحوار يحمل رسالة تتجاوز المكان: مفادها أن الخلاف مهما بلغ، والحرب مهما طال أمدها، لا ينبغي أن يحولا العاصمة إلى عنوان لانقسام تصنعه مبارزات السياسة، أو أن يجعلا من الجغرافيا أساساً للتشكيك في مركز الدولة.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية: معايشة الحقيقة السودانية كما هي.

الحوار الذي يجري في قاعة فندق خارج البلاد يمكن أن يناقش وقف الحرب والنازحين وإعادة الإعمار والاقتصاد، لكن الحوار الذي ينعقد وسط العاصمة التي دمرتها الحرب سيكون أقرب إلى إدراك تكلفة هذه القضايا على الأرض. رؤية الأحياء المدمرة، والاستماع مباشرة إلى المواطنين ومعاناتهم، والاقتراب من أوضاع الأسر المتضررة، كلها تجعل الحوار أكثر اتصالاً بالإنسان الذي يفترض أن يكون السلام من أجله.

كما أن حوار الداخل يمكن أن يفتح الباب أمام مشاركة اجتماعية أوسع من المؤتمرات الخارجية. فالسودان ليس فقط القوى السياسية، هناك الإدارات الأهلية، والطرق الصوفية، والشباب، والنساء، والمهنيون، والمجتمعات المحلية، والنازحون، وأسر الضحايا، وملايين المواطنين الذين يعيشون الحرب وآثارها كل يوم بمن فيهم المغتربون الذين شكلوا مظلة اجتماعية ساهمت في حماية السودانيين من ضغوط المعيشة. وإذا كان المطلوب تسوية قابلة للحياة، فلا بد أن تتجاوز طاولة السياسيين إلى المجتمع الذي سيدفع ثمن الاتفاق أو يجني ثماره.

لكنّ هناك اعتراضاً على حوار الخرطوم من المهم الاستماع له: كيف يمكن ضمان الحرية والأمن والحياد للمشاركين؟

وهذا اعتراض لا يمكن تجاوزه بالشعارات. لذلك فإن عقد الحوار في العاصمة كان لا بد أن يرتبط بحزمة ضمانات مكتوبة وملزمة، تكفل للمشاركين حرية الوصول والمغادرة والتعبير، وتحميهم من الملاحقة بسبب مواقفهم السياسية، وتمنع التدخل في أعمال الحوار أو فرض نتائجه مسبقاً. وقد كانت هذه الضمانات في أولويات ما سعت إليه لجنة تهيئة الحوار السوداني، وظلت تؤكد عليها في كل تصريحاتها. الأمر الآخر هو أن أطراف الحوار، عندما ينعقد، يمكن أن تطلب المزيد من الضمانات إذا رأت ذلك ضرورياً، بل يمكنها أن تطرحها الآن على لجنة التهيئة لمعرفة إمكانية تحقيقها.

بهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون الاختيار بين «حوار في الداخل» و«حوار في الخارج» صراعاً بين السودانيين والمجتمع الدولي. يمكن أن يكون الحوار سودانياً في قيادته ومكانه، ودولياً في المساهمة في تيسيره من دون تدخل في أجندته أو مخرجاته.

في النهاية، ليست القضية أن الخرطوم مكان مثالي؛ فظروف الحرب تجعل الكمال مستحيلاً. القضية هي ما إذا كان بالإمكان تحويل وجود الحوار في العاصمة إلى جزء من الحل بدلاً من محاولة تصويره كجزء من المشكلة.

فالسلام الذي يُراد له أن يعيد بناء السودان لا ينبغي أن يبدأ بعيداً عن السودان. وإذا كان السودانيون مطالبين بأن يتحملوا مسؤولية إنقاذ بلادهم، فمن المنطقي أن تكون لهم أيضاً فرصة أن يجلسوا إلى طاولة واحدة في عاصمتهم، وأن يروا بأعينهم ما فعلته الحرب، وأن يقرروا بأنفسهم وبين شعبهم كيف يخرج بلدهم من هذا الخراب.

الخرطوم ليست مجرد مكان للحوار؛ يمكن أن تكون الرسالة الأولى بأن السودان، رغم الحرب، لا يزال بلداً واحداً، وأن مستقبله لا يُرسم إلا بأيدي أبنائه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد