: آخر تحديث

وستمنستر بلا برلمان

4
7
6

دخل مجلس العموم البريطاني عطلة «ويتسن» (الربيع) الخميس 21 مايو (أيار)، حتى الأول من يونيو (حزيران)، ولن يظهر رئيس الحكومة كير ستارمر أمام النواب قبل جلسة المساءلة الأسبوعية يوم الأربعاء 3 يونيو، إلا إذا اضطر إلى إعلان جديد في السياسة يقتضي «بياناً وزارياً» للمجلس يوم الاثنين.

ظاهرياً، البرلمان في عطلة، النواب في دوائرهم أو في إجازات قصيرة؛ أعمال الحكومة نفسها لا تتعطل.

فالوزراء يدلون عبر الإعلام بالبيانات الاقتصادية والأرقام المالية، في غياب البرلمان.

وهنا تكمن مشكلة سياسية تتجاوز الأرقام الاقتصادية والمناورات الحزبية.

ففي بريطانيا يتزايد الشعور بأن الحكومة العمالية باتت تعمل حول البرلمان أكثر مما تعمل من خلاله.

فقد وبّخ رئيس مجلس العموم السير ليندسي هويل وزيرة شؤون الخزانة لوسي ريغبي، لإعلان الحكومة عن سياساتها الاقتصادية عبر الإعلام، قبل عرضها بالتفاصيل داخل البرلمان.

شهد المجلس جلسة «سؤال عاجل» صباح الخميس، تقدم بها وزير مالية حكومة الظل ميل سترايد، لاستدعاء وزيرة المالية راشيل ريفز، للمثول أمام المجلس في جلسة عقدت بعد الظهر لعرض تفاصيل خطط الحكومة المتعلقة بضريبة وقود السيارات وتأثيرها على السائقين والأسر البريطانية.

الخلاف الظاهري يعكس قضية دستورية أعمق: هل ما زال البرلمان هو المكان الأول الذي تُعلن فيه السياسات الحكومية؟ أم أن القرارات باتت تُدار عبر الإعلام والتسريبات والإحاطات الصحافية قبل تقديمها للنواب؟

بالنسبة للمراقبين القدامى في وستمنستر، تجاوز الأمر مشادات إجرائية إلى علامة على تحول تدريجي في طبيعة الحكم البريطاني.

فحكومة ستارمر تفوقت على سابقاتها في الاعتماد على المؤتمرات الصحافية، والتسريبات المدروسة، والظهور التلفزيوني، وإدارة الرواية، بدلاً من المواجهة داخل مجلس العموم.

صحيح أن البرلمان ما زال، وسيبقى، أساس النظام الدستوري البريطاني ومصدر التشريع والسيادة القانونية، لكن ما أغضب رئيس المجلس هو إدارة السياسة اليومية في أماكن أخرى.

الصراع بين «وايتهول» (اسم شارع الوزارات وهو رمز الجهاز الحكومي والإداري التنفيذي) و«وستمنستر» ليس جديداً في التاريخ البريطاني. فـ«وايتهول» التنفيذية بطبيعتها تفضل السرعة وتقليل التعطيل السياسي، بينما يتمثل عمل البرلمان في محاسبة السلطة التنفيذية باسم الشعب.

يسود شعور اليوم بأن الكفة بدأت تميل بصورة واضحة لصالح وايتهول على حساب وستمنستر. فمثلاً، تعامل حكومة ستارمر مع اتفاقية التجارة الحرة (3.7 مليار جنيه سنوياً) مع مجلس التعاون الخليجي، كان مثالاً على ذلك.

ففي الاثنين 18 مايو أعلن مجلس التعاون الخليجي عبر منصة «إكس» بالعربية أن الاتفاقية ستوقَّع يوم الأربعاء في داونينغ ستريت.

وعندما سأل الصحافيون رئاسة الوزراء عن الاتفاقية، رفض المتحدث باسم الحكومة تأكيد الخبر، مكتفياً بالقول إن المفاوضات لا تزال مستمرة. وتكرر الموقف نفسه في إحاطة الثلاثاء.

حتى بعد جلسة مساءلة رئيس الوزراء يوم الأربعاء، لم يأتِ فريق رئاسة الحكومة خلال الإحاطة اليومية للصحافيين على ذكر الاتفاقية ضمن جدول الأعمال الحكومي لذلك اليوم، رغم أن التوقيع كان سيتم بعد ساعات.

مساء الأربعاء، وبعد «هروب» ستارمر من البرلمان فعلياً، وقعت الاتفاقية في تسجيل تلفزيوني وزع على «بي بي سي» وبعض الوكالات.

فقط صباح الخميس ذكرت الاتفاقية أخيراً في بيان جدول الأعمال الرسمي للحكومة.

الغريب أنها من أكبر الاتفاقيات التجارية بعد «بريكست»، والمتوقع أن تضيف مليارات الجنيهات للاقتصاد البريطاني. لكن طريقة الإعلان عنها عكست كيف تدير حكومة ستارمر التوقيت والصورة الإعلامية، والتحكم بالسردية السياسية بعناية، على حساب الشفافية البرلمانية التقليدية. المفارقة أن الاقتصاد البريطاني نفسه ليس في حالة انهيار كامل كما يصوره البعض.

الحكومة تتحدث عن نسب نمو مقبولة واستثمارات جديدة واتفاقيات تجارية، لكن في الوقت نفسه صدرت خلال العطلة البرلمانية أرقام أظهرت ارتفاع الاقتراض الحكومي في أبريل (نيسان) إلى أكثر من 24 مليار جنيه إسترليني، بينما تجاوز الدين العام 94 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن فوائد خدمة الدين الحكومي باتت تستهلك أكثر من عشرة مليارات جنيه، في وقت يشعر فيه كثير من البريطانيين بأن الضرائب ترتفع والخدمات العامة تتراجع.

وهنا تظهر فجوة نفسية وسياسية آخذة في الاتساع بين الطبقة السياسية وقطاعات واسعة من الناس.

فهناك «بريطانيا رسمية» تتحدث بلغة النمو والأسواق والاستثمارات، وهناك «بريطانيا يومية» يرى فيها المواطن متاجر تُغلق، ومدناً ساحلية تتراجع، وخدمات عامة تضعف، وضغوطاً معيشية تتزايد؛ لذلك تستمر الحركات الشعبوية في الصعود.

فالأزمة البريطانية اليوم لم تعد اقتصادية فقط، بل أزمة ثقة متزايدة في الطريقة التي تُدار بها السياسة نفسها، وفي شعور الناس بأن الطبقة السياسية لم تعد تخاطبهم ولا حتى من خلال البرلمان نفسه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد