: آخر تحديث

النّيجر... ماكرون استسلم للواقعيّة السياسيّة

140
124
121
مواضيع ذات صلة

من قبيل الواقعية السياسية، سلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالانتكاسة التي لحقت ببلاده في دول الساحل. وأبلغ دليل إلى ذلك، كان قراره في 24 أيلول (سبتمبر) الجاري بسحب قواته والسفير الفرنسي من النيجر، بعد جدل استمر أسابيع بين باريس والسلطات الانقلابية في نيامي.

يمكن اعتبار قرار ماكرون بأنه يندرج في سياق تخفيف الخسائر، والاقتناع بأن عهد الرئيس المخلوع محمد بازوم بات من الماضي، وبأن فرص تدخل عسكري من قبل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" شبه معدومة.    
 
الحماسة التي أظهرتها فرنسا للتدخل العسكري من أجل إعادة بازوم إلى السلطة، قابله تردد أميركي في اللجوء إلى القوة. وكانت واشنطن سباقة إلى خفض تدريجي لقواتها المنتشرة في النيجر، وتفادت الدخول في جدل حاد مع الجنرالات الذين تولوا السلطة.   
 
القرار الفرنسي بالانسحاب من النيجر قد يكون جنّب منطقة الساحل انفجار حرب جديدة، في وقت تسجل التنظيمات المتمردة والجهادية مكاسب مهمة على الأرض، فكيف ستكون عليه الحال لو دخلت دول "إيكواس" في حرب ضد النيجر، التي تحالفت معها مالي وبوركينا فاسو؟    
 
من المؤكد أن الوضع كان ليكون أسوأ بكثير مما هو عليه الآن، لو نشبت الحرب. إن أسهل الحلول كان اللجوء إلى الانسحاب وانتقاد الدور الروسي المتصاعد في الساحل.    
تجد فرنسا نفسها مجبرة على إجراء مراجعة لسياساتها الأفريقية منذ ما بعد المرحلة الاستعمارية. المسألة لا تكمن في أن روسيا تحوك الانقلابات في مناطق النفوذ الفرنسي التقليدية في أفريقيا، كي ترد على الموقف الفرنسي الداعم لأوكرانيا. روسيا تملأ فراغاً يخلفه التراجع الفرنسي، الذي تتعدد أسبابه. والجنرالات الذين يقومون بالانقلابات تلقوا تدريبات في الغرب وليس في روسيا. ولو لم يجدوا احتضاناً شعبياً لما تجرأوا على قلب أنظمة تتلقى دعماً من فرنسا.
 
 وإذا كانت منطقة الساحل عرضة لتغلغل النفوذ الروسي، فماذا يقال في حالة المغرب الذي بلغت علاقاته بفرنسا من السوء، بحيث رفضت الرباط عرض المساعدة الفرنسية لضحايا زلزال جبال الأطلس؟       
 
إن قرار سحب القوات الفرنسية من النيجر، ينبع من إدراك بأن باريس عاجزة عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في منطقة الساحل، خصوصاً أنه قبل النيجر، اضطرت باريس إلى سحب قواتها من مالي ومن بوركينا فاسو، ومن الإعلان عن انتهاء عملية "برخان" التي بدأت في عام 2013 في المنطقة مع نشر قوة فرنسية من 5 آلاف جندي وتلقي الدعم من بعض الدول الأوروبية. وعامذاك، تم استقبال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بحفاوة في باماكو عاصمة مالي. اليوم يلوح شبان يخرجون في تظاهرات تأييد للأنظمة الانقلابية بأعلام روسيا وشركة "فاغنر" التابعة لها.  
 
والحقيقة القاسية بحسب تحليل أوردته أسبوعية "الإيكونوميست" البريطانية، هو أن الجيل الجديد في أفريقيا يعتبر فرنسا جزءاً من المشكلات التي تواجهها القارة وليست جزءاً من الحل، "لأن ثقل التاريخ يلقي بظلال الشك على النشاطات الأوسع لفرنسا في القارة".   
 
وعلى عكس قوى استعمارية سابقة، حافظت فرنسا على قواعد عسكرية دائمة في البلدان التي كانت تستعمرها من جيبوتي إلى الغابون وساحل العاج والسنغال. هذا يشير إلى أن الماضي الفرنسي في أفريقيا لم يمض بعد.
 
ليس هذا فحسب، بل إن العلاقات الوثيقة بين باريس ورؤساء مضى عقود على وجودهم في السلطة ومعروفين بالفساد، تزيد الشكوك في الدور الفرنسي في أفريقيا. بينما دول أخرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة تجد نفسها متحررة من ثقل التاريخ لدى التعامل مع الدول الأفريقية.   
 
كل هذه التطورات تجعل فرنسا في لحظة تراجع أفريقية مستمرة. وجزء كبير من اللوم يقع على عاتق فرنسا نفسها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد