: آخر تحديث
من مفكرة سفير عربي في اليابان

الملك السلمان: اليابان والرؤية الاقتصادية 2030

16
14
17

استعدادًا لزيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز المرتقبة إلى اليابان ضمن جولته الآسيوية المستمرة، يستذكر سفير البحرين في اليابان د. خليل حسن لقاءات جمعته بخادم الحرمين الشريفين، ويؤكد أنه وجد فيه الحكمة والصبر والظرافة والتواضع واللطف في آن.

إيلاف: ستتشرف اليابان باستقبال خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وفي ظروف ملهمة، متفائلة، وجديدة، في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي ننتظر شرف استقبال جلالته يوم الأحد المقبل، الموافق 19 من شهر مارس 2017، في مطار هانيدا في العاصمة اليابانية، طوكيو، أتذكر شرف لقائي بجلالته في آخر زيارة له لليابان في شهر فبراير من عام 2014، وفي ثلاث مناسبات، الأولى حينما تشرفت باستقبال جلالته مع زملائي السفراء العرب المعتمدين في طوكيو، في مطار هانيدا، والثانية خلال اللقاء الخاص لجلالته مع مجلس السفراء العرب في اليابان، والثالثة خلال حفلة العشاء التي أقيمت في العاصمة طوكيو على شرف معالي رئيس الوزراء الياباني السيد شنزو أبيه. 

وقد وجدت في شخصية جلالته ملكًا يجمع بين الحكمة، والصبر، والحزم. كما لاحظت جمع خلق جلالته بين ظرف اللقاء والتواضع واللطف، ومع أسلوب مميز في التعبير. فمثلًا خلال اجتماع جلالته مع السفراء العرب في طوكيو، دعا جلالته سفير الجمهورية الموريتانية الإسلامية ليجلس بجانبه، وتحدث معه بأسلوب شيق ظريف عن زيارته الأخيرة لبلده، وما لمسه جلالته من أصالة عربية إسلامية عريقة في تلك البلاد، ليؤكد بتلك اللفتة الكريمة بأننا جميعًا شعب عربي واحد، وبأحلام موحدة، ومصير مشترك، ومستقبل واعد، ومشرق بإذن الله.

وستتم اليوم زيارة الملك سلمان لليابان ضمن زيارة شاملة للعديد من الدول الآسيوية، وبرؤية مستقبلية واعدة، وذلك لإيمان جلالته بالإسقاطات المستقبلية مع قبول عام 2050، حيث ستتعرض الجغرافية الاقتصادية للعالم لثورة نمو اقتصادية جديدة. 

فقد جلست الولايات المتحدة على عرش قمة الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية بعد الحرب العالمية الثانية، وليسجل حجم اقتصادها 25% من حجم الناتج الإجمالي المحلي العالمي، وفي الوقت الذي سجلت أوربوا الغربية الموقع الثاني بنسبة 22%. لكن مع حلول عام 2050 ستتغيّر هذه الخارطة الاقتصادية، ليتصدر حجم اقتصاد الدول الآسيوية 50% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، ولتحافظ الصين على موقعها الثاني، وبنسبة 17%، والهند المرتبة الثالثة، وبنسبة 15%، بينما ستتصدر المرتبة الأولى، مجموع الدول الآسيوية الأخرى، بدون الصين والهند، وبنسبة 25%. 

كما ستنافس القارة الأفريقية الهند، حيث سيجل حجم اقتصادها 15% من مجموع إجمالي الناتج المحلي العالمي. في الوقت الذي ستنخفض هذه النسبة إلى 9% لمجموع الدول الثلاث، الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلاندا. وسينخفض إجمالي الناتج المحلي لدول أوروبا الغربية إلى 7%، ولينتهي حجم اقتصاد روسيا مع دول أوروبا الشرقية إلى 4%. 

وقد تفهم الشعب الأميركي هذه التغييرات المستقبلية، لذلك تبيّن استطلاعات الرأي الأميركية بأن 70% من الشعب الأميركي يريد من رئيسه القادم أن يركز على القضايا الداخلية، بينما 13% منهم فضل التركيز على الشؤون الداخلية والخارجية، وفقط 17% منهم فضل التركيز على الشؤون الخارجية. 

لذلك انتخب الشعب الأميركي الرئيس دونالد ترامب. وقد استوعب خادم الحرميين الشريفين الملك سلمان مرة أخرى هذه التغييرات القادمة، لتصبح هذه الزيارة الآسيوية في قمة الزيارات التي قام بها جلالته. 

كما استوعب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان الحاجة إلى تغيّرات اقتصادية جذرية في منطقة الشرق الأوسط، لذلك يقوم جلالته بجهود خارقة لإيجاد الحلول المناسبة للتحديات التي تعيشها، من خرافة ما يسمى بالحرس الثوري لتصدير الثورة الطائفية الإيرانية، إلى المآسي التي تعيشها الشعوب العربية في اليمن والعراق وسوريا وليبيا. كما لن ينسى شعب مملكة البحرين فضل المملكة العربية السعودية في منع الزلزال الطائفي الفارسي من أن يدنّس أرض مملكة البحرين العربية المقدسة. 

كما تفهم جلالته أهمية تغيّرات الحداثة القادمة في منطقة خليجنا العربي، وقد توجّه جلالته إلى تعيين المرأة السعودية في قمة القيادات في كثير من المؤسسات الحكومية والاقتصادية والمالية، وخير مثال لذلك تعيين السيدة السحيمي أول امرأة ترأس مجلس إدارة السوق المالية "تداول". 

كما استوعب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان التغييرات المتوقعة في العقد القادم للدول النفطية الشرق أوسطية، والتي شرحها الكاتب الغربي، إدمون أو سوليفان، في كتابه، الخليج الجديد-كيف سيغيّر الخليج العالم إلى عالم أفضل. فقد عرض الكاتب في مقدمة هذا الكتاب، كيف تشكلت هذه المنطقة، ومدى تأثيرها السياسي والاقتصادي، المتوقع على العالم خلال العقود القادمة. 

ويبدأ الكاتب عرض تاريخ المنطقة منذ شجرة الحياة وآدم وحواء، وجنات عدن، وحتى حضارة دلمون وبلاد ما بين النهرين، وحتى الأسكندر الأكبر، والإمبراطورية الفارسية، وروما في قمة حضارتها ونهايته مع  إنتهاء الحقبة البيزنطية، وانتشار الحضارة الإسلامية، والصعود العثماني، ووصول التجار البرتغاليين والهولنديين والبريطانيين، ومع نهاية دراما القرن العشرين باكتشاف النفط والغاز الطبيعي في إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم. وكيف تحولت صحراء قاحلة بقبائل متناحرة إلى مملكة سعودية عصرية متطورة، تجمع بين قمة نور الحرمين الشريفين، وقمة ناطحات نيويورك وباريس ولندن. 

كما يستقرأ الكاتب بأن دول مجلس التعاون الخليجي ستصبح الاقتصاد العالمي السادس مع حلول عام 2030، ويتوقع بأن الحضارة الجديدة التي ستبرز من خلال الوحدة الخليجية ستساعد على تغيير المنطقة بأسرها، بل يعتقد بأن هذه المنطقة سيكون لها تأثير إيجابي كبير على العالم بأسره، خلال القرن الحادي والعشرين. كما يثني الكاتب على اهتمام الدول الخليجية بالمستقبل الاقتصادي للمنطقة، من خلال وضع رؤى عديدة لمستقبل كل بلد، كالرؤية الاقتصادية السعودية 2030، والرؤية الاقتصادية 2030 لدولة الكويت، والرؤية الاقتصادية 2030 لمملكة البحرين، وليؤكد بذلك بأن دول الخليج ستحظى بأهمية اقتصادية وتنموية مستقبلية بارزة.

يتوقع الكاتب بأنه سيزيد سكان الخليج في عام 2030 إلى أكثر من 80 مليونًا، في الوقت الذي سيتناقص النفط في العالم، باستثناء منطقة الخليج، التي ستظل المصدر الرئيس لتوفير احتياجات الدول الصناعية المتزايدة حتى 100 سنة مقبلة، مما سيؤهّلها لأن تحتل المرتبة السادسة اقتصاديًا في العالم. فسيسيطر الخليج على أكثر من % 40 من المخزون النفطي في العالم، ومن المتوقع أن تزيد هذه النسبة في ضوء التنقيبات التي ستتم في المنطقة. 

كما أكد الكاتب أن السعودية بدأت منذ سنوات عديدة، أعمال حفر جادة في الربع الخالي تنقيبًا عن الغاز. كما استأنفت مملكة البحرين أعمال التنقيب عن النفط والغاز، واكتشفت الكويت أخيرًا ضعف مخزونها من الغاز الطبيعي، هذا إضافة إلى الجهود البارزة في الاستفادة من الطاقة المتجددة في منطقة الخليج، ورفع مستوى كفاءة استهلاك الطاقة الأحفورية.

أضاف الكاتب بأن عوائد اقتصاد الخليج لن تقتصر على النفط فقط، بل ستتسع لكي تشمل السياحة والسفر أيضًا. فبحلول عام 2030، سيزور الخليج أكثر من 150 مليون زائر، منهم 20 مليونًا للحج والعمرة، وزيارة مكة والمدينة، اللتين ستربط بينهما قطارات بسرعة 800 كيلومتر في الساعة. وستشهد المطارات – الدوحة ودبي والكويت والرياض والمنامة - توسعات سريعة لاستيعاب أكثر من 400 مليون مسافر سنويًا.

وستتحول السياحة في الخليج إلى حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، وخيالات «هاري بوتر»، لا سيما مع تطور مشروع دبي الترفيهي «دبي لاند»، على غرار «ديزني لاند»، الذي من المتخيل أن يجذب إليه بعد 20 عامًا 100 مليون زائر سنويًا. وفيما ستفعّل كل دولة خليجية إمكاناتها السياحية حسب طريقتها، فمثلًا ستستثمر السعودية وجود الأماكن المقدسة على أرضها، لمزيد من مشاريع التوسعة، بحيث تستوعب ثلاثة أضعاف عدد حجاجها بحلول سنة 2020.

وستدعم الحكومات الخليجية البحث العلمي، وتفعّل الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، وستندمج بنوك مجلس التعاون وتتحول إلى منافس قوي للبنوك الدولية، وستزدهر الفنون وسيتحسن مستوى الأداء الرياضي، وسيظل الدين ركيزة في المجتمع الخليجي يدفع باتجاه الاعتدال، مما سيؤهّل المرأة إلى أن تمارس أدوارًا أكبر في مؤسسات الدولة، بما في ذلك في مؤسسات المال والسياسة.

كما لا ننسى الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية إلى باقي منطقة الخليج، فمثلًا في شهر فبراير الماضي، أشاد صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس وزراء مملكة البحرين بالنهج الراسخ الذي اتبعته القيادة السعودية في دعم مملكة البحرين، منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه- وصولًا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة، مشيدًا سموه بمشروع مدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الطبية، الذي يحمل اسمًا غاليًا، ومعنى ساميًا، وهدفًا نبيلًا، يعكس مكانة مملكة البحرين في قلوب ملوك المملكة العربية السعودية، ويترجم التعاون البحريني السعودي النموذجي. 

وسيقام هذا المشروع كجزء من كلية الطب في جامعة الخليج العربي، على أرض مساحتها مليون متر مربع، وهبها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، لهذا المشروع. بينما خصصت المملكة العربية السعودية ملايين الدولارات لهذا المشروع الحضاري النبيل. 

وسيتكون المشروع في مرحلته الأولى من مستشفى طبي جامعي يتسع لـ288 سريرًا، و111 غرفة عمليات، ومبنى للعيادات الطبية، وآخر للخدمات الطبية، إضافة إلى مراكز تميز متخصصة في الأمراض السائدة في دول الخليج، مثل السرطان والسكري والسمنة. 

الجدير بالذكر أن كلية الطب في جامعة الخليج العربي تعتمد على نظام التعليم بحل المعضلات الإيجابي، والمرتبط بتحديات المجتمع الصحية. حيث يعرض الأستاذ على الطلبة معضلة طبية، ليقوم الطلبة بمناقشتها، وطرح أسئلة متنوعة لدراسة هذه المعضلة، ثم يوزع الطلبة بينهم مسؤولية البحث عن الإجابة عن هذه الأسئلة، ليرجعوا إلى الفصل خلال الأسبوع، ويقدم كل منهم محاضرة للإجابة عن الأسئلة المطروحة، ولينتهوا بتشخيص المرض وطرق علاجه. ويبقى السؤال: ما الدور الذي ستلعبه اليابان للدفع بعجلة هذه التطورات القادمة إلى الأمام في منطقة خليجنا العربي؟، وهل سيكون لليابان دور مستقبلي في ضمان أمن وسلام دول خليجنا العربي، ليستمر في توفير الطاقة اللازمة، لتحريك الثورة الاقتصادية الآسيوية القادمة؟ ولنا لقاء.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي