: آخر تحديث

لماذا يرفع الملالي نسب تخصيب اليورانيوم؟

10
10
14
مواضيع ذات صلة

كان اعتراف نظام الملالي الايراني بوقوع ما وصفه بـ"أضرار طفيفة" جراء انفجار منشأة "نظنز" النووية،  من المرات القلائل التي يصدر فيها اعتراف إيراني رسمي سريع بالتعرض لهجوم ووقوع خسائر في منشأة استراتيجية، ومن ثم جاء ما اعتبره الكثيرون رداً بإعلان الملالي رفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى 60%، ما يستوجب البحث في أبعاد هذه العملية والرد الايراني عليها والرسائل التي ينطوي عليها.

من الضروري الاشارة إلى أن ملالي إيران اتهموا اسرائيل باستهداف منشأة "نظنز"، وأن الهجوم يهدف ـ برأيهم ـ إلى تقويض العملية التفاوضية الخاصة بالعودة للاتفاق النووي، بينما أشارت بعض التقارير الاعلامية الاسرائيلية إلى أن تدمير القدرات النووية الايرانية، ولاسيما في مجال التخصيب يفتح الباب أمام اذعان النظام الايراني للشروط التي تملى عليه في المفاوضات التي بدأت مؤخراً في فيينا.

وفي هذا السياق يمكن الحديث عن نقاط عدة أهمها ـ برأيي ـ انتقال الصراع الايراني الاسرائيلي من السر إلى العلن، فالاعتراف باستهداف السفن والمنشآت النووية في العمليات التي وقعت مؤخراً بات علناً، ولا يتم انكاره، أو على الأقل لا يتم التنصل من المسؤولية عنه، وهذا يعني بالتبعية انتقال الصراع الاقليمي إلى مربع أكثر سخونة وتوتراً، لاسيما أن رئيس الوزراء الاسرائيلي قد تناول في حديثه مع قادة أجهزة الأمن والاستخبارات الخارجية والأمن الداخلي والجيش مؤخراً بعض الاشارات المهمة التي لا يمكن القفز عليها أو التعامل معها بسهولة، ومنها أن "الوضع القائم اليوم لا يعني أنه نفس الوضع الذي سيكون موجودا غداً"، وهي إشارة مهمة لعزم نتنياهو التعامل مع مصدر التهديد الايراني بحزم أكبر، وبما يليق بـ"قوة اسرائيل العالمية" التي تطرق إليها في حديثه للمرة الأولى. فضلاً عن أنه لا يمكن تجاهل عامل التوقيت في الهجوم على "نظنز" حيث جاء عقب أيام قلائل من زيارة لويد اوستن وزير الدفاع الأمريكي لإسرائيل، وتعهده بحماية أمن اسرائيل وتفوقها العسكري في الشرق الأوسط.

ورغم أن هذه الزيارة يمكن النظر إليها من زاوية طمأنة إسرائيل بالتوازي مع انطلاق أولى جولات المفاوضات غير المباشرة مع ممثلي ملالي إيران في فيينا، والتعهد بأن مسألة أمن إسرائيل قضية جوهرية تهم الولايات المتحدة بغض النظر عن اختلاف الادارات الكائنة في البيت الأبيض، سواء جمهورية أو ديمقراطية، وبالتالي فإن العودة للاتفاق النووي مع إيران لا يجب أن تقلق إسرائيل من هذا المنظور، ولكن يبدو أن قرار تنفيذ هذا الهجوم في هذا التوقيت قد استهدف أيضاَ التأكيد على أن اسرائيل ستمضي في الدفاع عن نفسها وفق رؤيتها الاستراتيجية، وأن العمليات السرية الاسرائيلية ضد هذا التهديد ستتواصل بل وستتسارع، حيث يلاحظ تنفيذ الهجوم ضد "نظنز" عقب أيام قلائل من إصابة هيكل سفينة تابعة للحرس الثوري الايراني في البحر الأحمر.

الحقيقة أن استهداف "نظنز" في هذا التوقيت ينطوي على رسائل مهمة للملالي والولايات المتحدة على حد سواء، ورغم أن هذه العملية قد تكون بهدف عرقلة المفاوضات بالفعل كما يعتقد الايرانيون، حيث توقع مخططوها أن تتسب في تعرض الملالي للحرج داخلياً ما يدفعهم للانسحاب من هذه المفاوضات، ولكن الواقع يقول أن الملالي يحرصون على التمسك بالمفاوضات باعتبارها الأمل الأخير في رفع العقوبات من دون تقديم تنازلات كبرى، أي بالتوصل إلى صيغة ما تضمن عودة الولايات المتحدة للاتفاق ومن ثم رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، مقابل تراجع الملالي عن انتهاكاتهم المتكررة لبنود "خطة العمل المشتركة" الموقعة عام 2015، والعودة للالتزام بمما وقعوا عليه في هذا الاتفاق. وبالتالي لم يكن خيار الانسحاب من المفاوضات أحد السيناريوهات المطروحة في طهران رداً على الهجوم على "نظنز"، بل جاء الرد بشكل لم يكن متوقعاً من خلال رفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وهي نسبة غير مسبوقة، بل لم تكن واردة في مخيلة قادة الملالي ولا برلمانهم الذي سن تشريعاً يلزم الحكومة الايرانية برفع نسب التخصيب إلى 20%، ويمكن القول إن القفز إلى هذه هذه النسبة غير المسبوقة، التي تقترب للغاية من مستوى التخصيب المطلوب للحصول على "القنبلة" يعكس كذلك حجم غضب الملالي من الهجوم على المفاعل، وبالقدر ذاته يعكس حرصهم على استغلال اللحظة وتوظيفها من أجل تعزيز موقفهم التفاوضي وإرباك أجواء التفاوض وخطط المفاوضين الغربيين، ولاسيما الأمريكيين، ودفعهم إلى مراجعة تقديراتهم للموقف والدفع باتجاه تقديم المزيد من الاغراءات، وربما التنازلات للملالي لقطع الطريق امامهم للمضي على درب التصعيد.

المعنى هنا أن الهجوم على "نظنز" قد عكس تضارباً بين هدفين جوهريين أولهما يخص اسرائيل التي ربما تكون سعت بالفعل لإفساد أجواء التفاوض وتعكيرها، وهذا هدف استراتيجي مفهوم في ظل استشعار  ارتفاع مستوى التهديد الايراني، وربما رأت القيادة الاسرائيلية كذلك أن أحد "فوائد" الهجوم قد تتمثل في ممارسة أقصى الضغوط على الملالي لتخفيف شروطهم التفاوضية بما يعزز موقف الحليف الأمريكي، وهو هدف يتعارض تماماً مع هدف الملالي الذين لا يعد الانسحاب من المفاوضات مع القوى الكبرى ـ بمشاركة أمريكية غير مباشرة ـ احد خياراتهم الراهنة باعتبار أن هدفهم الأساسي يتمحور حول رفع العقوبات الأمريكية وأن السبيل لذلك هو التفاوض على سبل عودة الجانبين الايراني والأمريكي للاتفاق النووي.

الحاصل أن الهجوم على "نظنز" سينعكس بشكل أو بآخر على بيئة مفاوضات فيينا، وأن هناك واقع جديد بات يتطلب التفاوض حوله وهو رفع نسب التخصيب الايرانية إلى 60%، وهو أمر يضاعف العقبات والصعوبات التي تواجه هذه المفاوضات، فالملالي سيتمسكون باستغلال الموقف الطارىء وتوظيفه لمصلحتهم، بنيما يبدو صعباً على إدارة الرئيس بايدن التجاوب مع شروط الملالي التي تزداد تشدداً، وبالتالي فالحديث عن مرحلة جديدة في أزمة الاتفاق النووي الايراني بات حقيقياً، والسيناريوهات باتت مفتوحة على جميع الاحتمالات خلال المرحلة المقبلة، سواء من الجانب الاسرائيلي أو الأمريكي أو الايراني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي