: آخر تحديث

البخاري ليس النبي محمد

6
7
6
مواضيع ذات صلة

أثارت تغريدة الدكتور تركي الحمد حول نقد التراث الديني وعلى رأسه صحيح البخاري وأن هذا التراث يقف خلف انطباع الشعوب الغربية حول شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم الكثير من ردود الأفعال المتشنجة بطبيعتها والنابعة عن الفكرة التي هي أساس كل شر (فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة)، وكالعادة ستبدأ التبريرات المسبقة والتي من أهمها: من شكَّك في صحيح البخاري سَيُشكِّك في القرآن غداً، الأمة أجمعت على أن أصح كتاب بعد كتاب الله صحيح البخاري ومسلم فمن أنت لتأتي بعد كل تلك السنين لتشكك، وغيرها من التبريرات التي تدل على التعصب وأحادية الرأي والتي تقود إلى كل فكر متطرف ومن ثم ظهور الإرهاب على شكل أفراد وأحزاب وجماعات. 

البخاري رحمه الله عالم جليل من علماء المسلمين لا شك في ذلك، لكنه يبقى بشر يجري عليه ما يجري عليهم من أخطاء ونسيان وضعف وقصور...إلخ، صحيح أن المنهجية التي سار عليها البخاري ومسلم كانت صارمة بمقاييس عصرهم، لكن هذهِ الصرامة لا تعني العصمة بتاتاً، نحنُ كمسلمين نؤمن أن الكمال المطلق لله، والعصمة للأنبياء وحدهم عليهم السلام، وعندما نقول أن صحيح البخاري يحوي بعض الإشكاليات لا يعني هذا التشكيك في أقوال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو القدح في نبوته، بل إن كل مسلم يجب عليه أن يعتقد أن كل ما قاله النبي بشأن الدين من أحكام وتشريعات فهو من الوحي، بشرط أن يتأكد لدينا أن هذا الحديث هو من قوله عليه السلام، ولا يجب أن نجعل البخاري رحمه الله ولا غيره نداً للنبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.

القرآن الكريم هو المعيار الذي ينبغي الرجوع إليه عند وجود بعض الأحاديث التي نشعر أن الفطرة السليمة ترفضها أو لا تقبلها أو تشعر بالنفور منها، على سبيل المثال لا الحصر: نجد في صحيح البخاري هذا الحديث(من بدَّل دينه فاقتلوه)، وإذا رجعنا للقرآن وجدنا قوله تعالى(لا إكراه في الدين) وقوله(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وغيرها من الآيات التي تدل على أن الله أعطى الإنسان حرية الإيمان من عدمه، ثم لو افترضنا أن والد أحدهم بدل دينه، هل يُعقل أن يقتله ابنه أو حتى أن يُبلِّغ عنه ليتم محاسبته! صوت الضمير الإنساني سيمنعه من ذلك، فهذا أبي سأظل أحبه وأحترمه وأُحسن إليه في جميع الأحوال والظروف، ولن أجعل مجرد نص ديني قد لا يصدُق يكون سبباً في الإساءة لوالدي أو غيره ومصادرة حريته وإهانته بحجة التقرب إلى الله! 

وحديث الشرب من أبوال الإبل كنوع من العلاج، وهنا لا يحتاج الرجوع للقرآن لأن الفطرة الإنسانية تأباه بصورة مباشرة وتلقائية، كما أن العلم والطب أثبت خطورته وفي الطب الحديث ما يغني عن الاستشفاء به، ولا يمكن أن يُقدِم على شربه إلا معتل نفسياً وعقلياً أو شخص قد يئس من علاج مرض مزمن فذهب لأبوال الإبل لتكون كالقشة التي يتعلق بها الغريق.

وهذا الأمر لا يتعلق فقط بالمذهب السني، بل كذلك  الشيعة لديهم نفس الإشكالية فيما يتعلق بكتب الحديث لديهم، فالقضية قضية أمة انحرفت عن جادة الصواب وتأخرت عن اللحاق بالأمم الأخرى بفعل أشخاص نادوا بتعطيل العقل في النص الديني، فأصبحوا أمة منغلقة متوجسة تخشى التغيير مُقيَّدة بنظرية المؤامرة متشنجة تعيش في الماضي ولا تبالي بالحاضر ولا تخطط للمستقبل، فكانوا ولا زالوا عالة على الأمم، ولن ننهض ما لم يتم إعمال العقل في النص الديني، مالم ننفتح على الآخر ونعلم ويعلم الجميع أنه لايوجد على وجه الأرض من يمتلك الحقيقة المطلقة.

من المؤسف أننا لا زلنا نعيد ونتناقش في نفس الموضوعات دون أي تغير، ولا زلنا كما قال أبو العلاء المعري:
أجاز الشافعي فعال شيء...وقال أبو حنيفة لا يجوز
فضلَّ الشيب والشبان منا...وما اهتدت الفتاة ولا العجوز

ختاماً؛ أُؤكد مرة أخرى على أن ما يقوله نبينا صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدين فهو من الوحي لا شك في ذلك، ويكون بمنزلة واحدة مع القرآن الكريم، لكن السؤال هو: من يضمن لنا أن هذا الحديث الوارد في أي كتاب ديني هو من قوله عليه السلام؟
لذا اضطررنا إلى القول أن القرآن ينبغي أن يكون هو المعيار الوحيد ولا غيره، بميزان القرآن ونصوصه المقدسة نقبل ما يوافق روح القرآن ونرفض ما يعارض ويتعارض مع منهجه. قال تعالى(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)، وقوله(ما فرطنا في الكتاب من شيء)، نصوص واضحة وصريحة بأن القرآن كامل وشامل، وحاشا كتاب الله أن يناله النقص أو القصور أو يكون بحاجة إلى دعم وإسناد. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي