: آخر تحديث

جروج موشه منظرا للقومية والعنصرية

12
12
11
مواضيع ذات صلة

يعتبر المؤرّخ الامريكي جورج موشه واحدا من أبرز من تعمّقوا في تحليل ونقد الفكر الأوروبي خلال القرن العشرين. وينتمي هذا الفكر المولود في برلين عام 1918 الى عائلة يهوديّة عريقة وثريّة. وكان جدّه رودولف موشه (1843-1920)مؤسّسا لواحدة من كبريات الصحف الالمانيّة، أعني بذلك "برلاينار تاغسبلات"التي تحوّلت بفضله الى امبراطوريّة ماليّة واعلاميّة هائلة.وقدأمضى جورج موشه طفولته في القصور البرلينيّة القديمة. وهو لا ينسى أن والديه أهدياه عند احتفاله بعيد ميلاده الثاني عشر، سيّارة "مارسيدس" مع سائق خاص. وفي هذه السنّ أيضا، أرسل إلى بنسيون "سالام"، وهو معهد بيداغوجيّ طلائعيّ على ضفاف بحيرة "كونستانس"يرتاده أبناء الإرستقراطيّة الالمانيّة. وعند صعود النازيّين إلى السلطة في عام 1934، لجأت عائلة موشه ال فرنسا. أما هو فقد أرسل إلى معهد في سويسرا، ثم إلى معهد في بريطانيا حيث أتقن اللغة الانجليزية، وبرع فيها إلى حد كبير. وفي عام 1939، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة حيث انتسب إلى إحدى الجامعات فيها ليدرس التاريخ .إلاّ أنه سرعان ما انقطع عن ذلك لينضمّ إلى الجيش الأمريكي عند دخوله إلى ألمانيا في نهايات الحرب الكونية الثانية. بعد ذلك واصل دراسته في جامعة "هارفارد" ليحصل على شهادة الدكتوراة عام 1946. وإثر سنوات أمضاها في جامعة "ايونا" ، عيّن أستاذا في جامعة "مايديسون" ليدرّس التاريخ الحديث. وفي نهاية الستينات، خلال فترة المقاومة الكبرى ضدّ حرب فيتنام، ثم خلال الإنتفاضة الطلابية التي اندلعت في ربيع عام 1968، تحوّلت دروس ومحاضرات جورج موشه في جامعة "مايديسون" إلى فرصة للتفكير حول المسائل الكبرى التي كانت تشغل العالم آنذاك. لذلك حظي صاحبها بشهرة واسعة لدى الطلاب لا في أمريكا فقط، وإنما في أوروبا أيضا.
وقد بدأ جورج موشه بدراسة مذهب"كالفان" الذي ظهر في القرن السابع عشر، غير أنه سرعان ما تخلّى عن ذلك لينشغل بدراسة القوميّة الاوروبيّة خلال القرن التاسع عشر، مركزا بالخصوص على المانيا. وفي كتابه:”أزمة الايديولوجيا الالمانية:الجذور التاريخيّة للرايخ الثالث"، الصادر عام 1964، استعرض جورج موشه أطروحاته الأساسيّة المتعلقة بالبحث في أسس وجذور النازيّة ، محاولا أن يبيّن ان هذه الايديولوجيا العنصريّة والفاشيّة لم تظهر في التاريخ كما لو أنها حدث لم يكن متوقّعا، وإنما كانت ثمرة تجذّر إيديولوجي طويل المدى عرفه الفكر الالماني اليميني المتطرّف خلال القرن التاسع عشر، وبلغ أوجه عند الهزيمة المرة التي مُنيت بها المانيا في الحرب الكونية الاولى. ويرى موشه أن تلك الحرب التي قتل فيها الملايين من الناس قادت المانيا الى ما يسمّيه هو ب"الفظاظة" في المجالين السياسي والاجتماعي. ومن هذه "الفظاظة" تغذّت الايديولوجيا النازية ، وبها استقوت وانتشرت.
وفي كتابه:”المشاعر القوميّة لدى الجموع" الصادر عام 1975، دَرَسَ جورج موشه الفاشيّة الايطالية والنازية الالمانية معتبرا هذين الايديولوجيّتين ثمرة المشاعر القوميّة التي برزت بحدة في القرن التاسع عشر، وازدادت تجذّرا عقب الحرب الكونيّة الاولى، ودخول المجتمعات الغربيّة في ما يسمّيه هو ب"عصر الجموع".وفي هذا الكتاب، برزت نظريّة موشه بكامل قوتها وعمقها. وكان الهدف من ورائها فهم الفاشية والنازية من الداخل. ولتوضيح هذه النظريّة روى جورج موشه أنه لما كان يعدّ الوثائق الضرورية لكتابه المذكور، سافر إلى المانيا أكثر من مرة لكي يلتقي بألبير سبير، منظر الرايخ الثالث بهدف معرفة المبادئ الاساسية التي على أسسها تمّ استحواذ النازية على الفضاء العام. ويضيف موشه قائلا بأنه كان من عادته حضور الاجتماعات السرية التي يعقدها النازيون القدماء مُقدّما نفسه على أنه أرستقراطي من بحر البلطيق. وكانت النتيجة التي توصّل إليها إثر ذلك هي ان النازيين "لم يتغيّروا ولن يتغيّروا ابدا" .ويعتقد جورج موشه ان النازية والفاشية كانتا اكثر مهارة من الديمقراطية الليبيرالية في إيجاد اللغة التي تتناسب مع متطلبات الجماهير. وبحسب نظره، لا يمكن أن نفسّر استحواذ النازية السريع على نسبة عالية من الالمان ب"الدعاية"وقوتها مثلما يفعل البعض، وإنما بالقدرة على الاقناع المتعلقة برؤية للعالم يعيشها المؤمنون بها كما لو أنها"دين". وتعبر هذه الرؤية عن نفسها بواسطة شبكة من الرموز والتمثّلات التي تهيكل المخيال الشعبي العام. ويعتبر موشه ان الاحتفالات الضخمة التي دأب النازيون على تنظيمها في الساحات العامة الفسيحة قريبة الى حدّ كبير من الاحتفالات الطقوسيّة الباروكية التي عرفتها اوروبا خلال القرن التاسع عشر .لذا هو يتحدث عن "ثقافة نازية"تأسّست على سلسلة من الاساطير(اسطورة الجنس الآري، البطولة الفردية، الرجولة)...وهذه الثقافة تطمح الى ان تكون شاملة ومحيطة بجميع جوانب الحياة ومعطياتها.
وفي كتابه الذي حمل عنوان :تاريخ العنصريّة الاوروبيّة"، تطرّق جورج موشه إلى بروز الاطروحات العنصريّة على المستوى الاوروبي خلال القرن التاسع عشر كاشفا بالخصوص عن تبلور هذه الاطروحات بشكل حادّ لدى الفاشيّة والنازيّة.والشيء الذي نستخلصه من أبحاث موشه هو أن الحركات العنصريّة التي تبرز في أوروبا بين وقت وآخر، ليست جديدة كما يتوهم البعض، وانما هي قديمة، وضاربة في عمق التاريخ الغربي الايديولوجي، والسياسي والديني. وتمثل هذه الحركات الجانب البشع واللانساني في الفكرالأوروبي الذي يسعى منذ عصر فلسفة الأنوار إلى أن يكون كونيّا. غير ان نجاحه في مسعاه هذا ظل صعب التحقّق!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي