: آخر تحديث

هل فقدت "فيينا" سحرها؟

12
13
11

واقع الأبنية السكنية التي تمّ بناؤها ما قبل عام 1919 في العاصمة النمساوية فيينا، وجميع تلك المنازل مصمّمة على الطراز القديم، وأغلبها مملوكة للقطاع الخاص. ومنذ عام 1840 فصاعداً انتقلت الأرامل الثريات، والمصرفيون والمضاربون والمواطنون من الطبقة العليا إلى أحياء بأكملها للسكن في المدينة، فنما عدد سكان فيينا أضعافاً مضاعفة وتخطى حاجز المليوني نسمة مع مطلع القرن الحالي، وكانت مساحة المعيشة شحيحة، وتجارة البيوت جيدة، فضلاً عن أنَّ إحصائيات النمسا تؤكد أنَّ هناك 32400 مبنى تم بناؤها قبل عام 1919.

إنَّ المباني السكنية في مدينة فيينا موزّعة في كل زاوية.. فكلما اقتربنا من مركز المدينة، اقتربت من بعضها البعض. وتزداد كثافتها الهيكلية بشكل حاد نحو المركز، بينما تنخفض الكثافة السكانية في أطراف المدينة، وتحتوي العديد من المنازل المصمّمة على الطراز القديم، وعلى وحدات سكنية بحجم أقل، وتمّ تصميمها بشكل رائع ومثقلة بالزخارف والمنحوتات والجص، وغالباً ما تُهْمَل.. والسبب في ذلك انهيار الجص، وتساقط النوافذ، وتعرّض أسقف الأبنية لتسريب المياه، بغض النظر عمّا إذا كان قصراً أو ثكنة عمالية.

ومع حلول عام 2018 تم هدم حوالى 115 مبنى في فيينا ما يعني أنَّ وضع المباني صار يتدهور تدريجياً، بالرغم من أنّه اُسْتُصْدِر عدد من القرارات بمنع هدم المنازل في العاصمة النمساوية إلّا للضرورة القصوى.

يتمتع المبنى السكني القديم بميزة كبيرة على المبنى الجديد. المبنى السكني مفتوح للاستخدام. إنّه منزل مستقل، وليس مجرد مبنى سكني. الغرف المرتفعة في المباني ليست مناسبة فقط للسكن؛ إنها مفتوحة لأي استخدام تقريباً.

في المبنى السكني، يمكن لطبيب الأسنان أن يرسم، ويمكن للنجار أن يَبني الأثاث، ويمكن للجزار أن يبيع الرئتين، ويفتح سينما، وقاعة صخرية، وروضة أطفال. يعيش الناس ويعملون هنا منذ منتصف القرن التاسع عشر. تظهر مناطق اليوم حيث يعيش الناس فقط والمناطق التي يعمل فيها الناس فقط.

هذا الفصل بين الوظائف هو خطأ، كما أنه يؤدي إلى ظهور المدن السكنية، ويعزّز الشعور بعدم الأمان، ويزيد حجم حركة المرور.

في فيينا لا أحد يحتاج إلى سيارة. والسبب هو توافر وسائط النقل العام، فضلاً عن السوبر ماركات، وبائعي السجائر والمخابز والبارات وبائعي الزهور - كل ذلك في غضون بضع دقائق سيراً على الأقدام. هنا تقترب فيينا من سمعة المدينة العالمية. فالمدينة متنوعة وحيوية.

إنَّ الهيكل الصغير يجعله شائعاً عبر جميع الطبقات. الشقق الطويلة بأرضياتها الخشبية ومتعددة النوافذ.

يعيش الأستاذ الجامعي هنا تماماً مثل طالبه، والمدير ذو الأجور العالية، والجدّة ذات الحد الأدنى من المعاش التقاعدي. من عام 2008 إلى عام 2017، نمت فيينا بمقدار 201 ألف شخص. انتقل 27 بالمئة منهم إلى مباني حديثة.

البناء ينمو في الداخل، في القلب، مبنى فيينا القديم لم يعد له شعبية كبيرة بين المستأجرين. فقد تم دفع ما مجموعه 1.6 مليار يورو للمباني السكنية في فيينا في عام 2019. ويقدر المبلغ هذا العام بنحو 1.2 مليار يورو بالرغم من أزمة كورونا، والأعمال المؤجلة. كما يترك الازدهار الاستثماري بصماته على موضوع الرغبة نفسه - المبنى السكني. من الطبيعي أن يهتم المستثمر بالمال في المقام الأول. لكن مع استئجار الشقق غير المجددة في المباني القديمة، أصبح هذا الأمر أكثر خجلاً.

يتم تحديد سقف إيجارات المباني القديمة في النمسا بحسب الأموال المتوافرة، أما في المباني الجديدة الراقية، أو في بيع الشقق القديمة التي يتم تجديدها تلقائياً حسب الحاجة. وكلا الخيارين يضران بالهيكل الأصلي للمبنى السكني.

منذ بضع سنوات فقط، تم التلويح بهدم المباني السكنية خارج منطقة الحماية واستبدالها بمباني جديدة مربحة. لم تكن هناك حاجة إلى الحصول على تصريح. لذلك لا توجد أرقام دقيقة لعدد المنازل المصممة على الطراز المعماري القديم التي بدأت بالاختفاء تدريجياً.

إنّ حوالى 115 عنصراً من دعاة الحفاظ على التراث المعماري، وبعد نقاش ساخن، رأوا أنه يجب الحفاظ على الآثار.

إنّ منظر المدينة مهدد بالاندثار. فقد المستأجرون القدامى منازلهم، وتم هدم المباني التي كانت مأهولة بالسكان، ولم يعد بالإمكان هدم المنازل التي بنيت قبل عام 1945 بدون ترخيص منذ 1 تموز (يوليو) 2018.

إنَّ عمليات الهدم انخفضت منذ ذلك الحين، ومع ذلك هناك عدد من طلبات الإلغاء، وشرطة البناء تتحقق من هذا بعناية فائقة. لم تكتمل حماية المنازل المصمّمة على الطراز المعماري القديم؛ لأنه ولأسباب إدارية يجب "حماية الممتلكات"، كما يجب الموافقة على عمليات الهدم إذا لم يكن التجديد مجدياً اقتصادياً، ومع ذلك تقوم الشركات بهدم المباني القديمة. وفي الصورة المقابلة لن يتم إنقاذ المباني السكنية من خلال حظر الهدم.. فالحاجة باتت ملحّة إلى تغيير في قانون الإيجارات، فهيكل المبنى في فيينا كارثي، لكن لن يقوم أي شخص بتجديد المباني السكنية بتكلفة عالية إذا لم تحقق ربحاً.

في السنوات الأخيرة، تم إغلاق المباني السكنية بشكل متزايد بواسطة السقالات. رافعات البناء تلقي بظلالها على واجهاتها. وحُوِّلَت السندرات الخاصة بها إلى شقق فاخرة تطل على المدينة. إذا لم تتم الموافقة على الهدم، فإن الخيار الوحيد غالباً هو تجديد المنازل على نطاق واسع وبيعها على شكل قطع.

الاتجاه نحو الشقق التي يشغلها مالكوها على الطراز المعماري القديم يعيق المزيج الاجتماعي. إنَّ جميع من يسكنها مجموعة متجانسة اجتماعياً.. فلم يعد الطالب يلتقي أستاذه في أثناء التسوّق. إنه عكس المدينة. في الأيام الأولى للمبنى السكني في فيينا، كان عامة الناس يعيشون جنباً إلى جنب مع رواد الأعمال والحرفيين والعمال المياومين - أعضاء من طبقات اجتماعية مختلفة - تحت سقف واحد. وبالكاد يمكن تصور ذلك اليوم في مبنى سكني جُدِّد مع ملحق علوي.

الآن فيينا تنمو مرة أخرى. تشهد المدينة فترة تأسيسها الثانية. يزداد الضغط على سوق الإسكان. البناء يجري في كل مكان. لكن هذه المرة كل شيء مختلف. تتناقص مساحة المعيشة الميسورة التكلفة، وأصبحت الطوابق الأرضية مهجورة، وأصبحت الهياكل أكثر أحادية.. ويمتدّ التطوّر نحو مدينة حضرية متنوّعة ومختلطة واجتماعية، تمنح فيينا جواً وسحراً خاصاً بها، وهذا ما صار يُشكل اليوم هويتها الحديثة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف