: آخر تحديث

حلل.. يا دويري

17
19
15

الذين وقفوا وراء ظاهرة المحلل العسكري فايز الدويري، كان هدفهم جمع أكبر قدر ممكن من المؤيدين لحركة حماس في شوارع المدن الأجنبية تحديداً، بغية الضغط على الرأي العام العالمي وإقناعه أن حركة حماس متجذرة في غزّة بما لا يمكن التخلص منها، وهي لا تختلف عن سابقتها طالبان، وهنا لعب جمهور الاخوان المسلمين على عنوان "نصرة غزة"، ولم يكن الهدف الحقيقي إنقاذ المدنيين الفلسطينيين ولا إنقاذ غزة ولا كل المعادلات الإنسانية، وإنما الحفاظ على إمارة "حماستان" الإخوانية، لأنَّ سقوطها نذير شؤم سيلاحق الجماعة.

في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، تم تحديد مستقبل غزة داخل العقل الأوروبي بدون حركة حماس قطعاً، والسبب أن السابع من تشرين الأول (أكتوبر) أدى إلى خلق جبهة جديدة ثقيلة على الغرب، لأنَّ امدادات الذخائر الأوروبية لم تتوجه نحو أوكرانيا كما كانت الطريق سالكة، بل ثمة انعطافة إلى الشرق الأوسط، ومن هنا برزت مشكلة الغرب مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لأنَّ الغرب يريد العملية العسكرية في غزة بكلفة قليلة في مخزون الذخائر للإبقاء على زخم الفعل القائم في أوكرانيا في مواجهة الروس، وهو ما تراجع خلال الأشهر الماضية، وبات يلقي بثقله على عموم أوروبا، التي تعيش هاجس الانتصار على الروس، والقلق من عبور الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نحو البيت الأبيض، بما يعقد لون وشكل الأزمة.

كما أنَّ خطوة حماس كانت في مصلحة إيران التي تريد إحداث تباطؤ زمني يتيح لها الاستمرار في السعي النووي، وهو ما أجبر الغرب على الالتفات إلى جبهات ثلاث، ثم أكملتها إيران بفتح جبهة الحوثي الرابعة لتشتيت الفعل الغربي، حتى بما فيه الدبلوماسية التي لا تستطيع إدارة لغة الصم مع الحوثي، ما  كان يعني الذهاب إلى فعل عسكري محدود، وهو الذي لا يزال قائماً وسوف يستمر لوقت ليس بقصير، بينما يبقى رهان إيران على تحولات في العملية العسكرية الروسية، وعودة الأمور سنوات إلى الوراء.

إقرأ أيضاً: حماس الفنادق

الدويري، في هذه المعادلة، كانت وظيفته أكبر من محلل عسكري، فقد استجلب أنظار أكثر من عشرات ومئات وكالات الأنباء، التي كانت تلاحق كل حدث صغير في مجريات الحرب في غزة، وكانت أدوات الدويري المساحة الواسعة من جانب، والاستعراض الأسطوري لمجموعة هائلة من الإنجازات التي لم تحدث في أي من الحروب الكونية السابقة، فقد بات العالم أمام أقوى سلاح في الشرق الأوسط، وأقوى منظومة مليشيا قادرة على التفوق عليه، لدرجة أنَّ الناس كانوا ينتظرون اليوم التالي، ظناً منهم أن حماس باتت فعلاً على أبواب حيفا ويافا.

الإشكالية أننا أمام عقل شرقي تأثر بحقبة أحمد سعيد، والتي كان عذر الجماهير فيها أنَّ الراديو هو وحده المتاح، ثم انساق الجمهور العربي وراء وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف، والذي له عذره أيضاً أن كان في بلده العراق وله مصادره الخاصَّة، بينما في حالة (فريق المحلل العسكري) أنه كان يبعد عن غزة ألفي كيلومتر وأكثر، وبالتالي كيف يمكن لمحطة إخبارية أن تكون على تواصل مع غرفة عمليات عسكرية بعيدة بهذه المسافة عنها؟

كل هذا لا يبدو منطقياً، ولا يبدو أكثر من خطاب شعبوي له رسائله الخاصة، ولعل ما تم تسريبه من تسجيلات منسوبة للدويري مفادها "أنَّ أميركا منعت نشر ما هو أكثر بكثير مما كان سيقول"، وبالطبع، حتى هذه التسريبات الأخيرة، هي جزء من فكرة نظرية المؤامرة والتي يستند عليها عموم الإعلام الشعبوي.

إقرأ أيضاً: الإسلام السياسي ليس جزءًا من المنطقة

في النهاية، نود أن نخبر "فريق الدويري" أنَّ حرب تموز (يوليو) كان الهدف منها فقط التغطية على جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وخرج حزب الله بعد الحرب زعيماً لعموم المقاومة، مع أنَّ الانتصار كان وهمياً بامتياز، ومع أنَّ حزب الله عندما قصف مدينة الناصرة وغيرها استهدف الأحياء العربية فقط، لأنه لم يتجرأ على أكثر من ذلك. ونريد أن نخبر هذا الفريق الذي يقف خلف الدويري والذي صنع الانتصار الوهمي  الآخر لحركة حماس في غزة عام 2008 أنَّ الهدف الأساسي من حرب 2008 التي بدأتها حماس بالصواريخ الكرتونية كان للتغطية على ما حدث لفلسطينيي العراق عندما تم قتل المئات منهم واغتصاب نسائهم في الطرقات وتهجير 30 ألفاً منهم على أيدي مليشيا مدعومة من إيران، خصوصاً بعدما نشرت الفضائيات هذه الجرائم بحق الفلسطينيين، وكنا ممن وثق بعض هذه الجرائم، وهنا بالضبط جاءت حرب حماس، لتبييض وجه إيران أمام العرب، وتبرئتها من دم فلسطينيي العراق. ثم بدأنا نسمع قصة "وانتصرت غزة"، وأنَّ النصر كان بسبب الدعم الإيراني، وكان الانتصار الإيراني قد تم تتويجه فعلاً في قمة الدوحة التي ضمت بعض الدول العربية وحضرها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد آنذاك ورفع شارة النصر...

شهادات وثقها الكاتب في وثائقي صوره صيف 2009 على الحدود العراقية مع لاجئين فلسطينيين تم طردهم من العراق

اليوم أيضاً، ينتصر الحوثي لقطاع غزة بعدما تسبب بمقتل أكثر من 600 ألف وتهجير ما يفوق ستة ملايين يمني، ولا يزال هذا الفريق الإعلامي يروج للانتصارات الوهمية، مستغلاً أرقى أنواع التكنولوجيا، وأعلى المهارات الإعلامية، ولكن من أجل صناعة خطاب شعبوي يخفي الحقيقة، ويسوق الجماهير نحو المجهول.

نعم، يمكن أن يصبح الجمهور في مصيدة الإعلام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف