: آخر تحديث
بما يعزز التعاطف الأوروبي:

المبادرات الكردية التضامنية في الخارج: حضور واسع وحضاري وانضباط قانوني

5
4
4

جاءت الوقفات التضامنية الكردية والكردستانية في مدن أوروبا والغرب، في إطارها السلمي الحضاري المنظم، في مواجهة مخطط واضح من التحريض والانتهاكات. إذ مهّد لها خطاب كراهية منظم ضد الكرد، في إطار مواجهة "قسد" عبر منصات مرتبطة بميليشيات دمشق. وطالما جرى تشويه صورة الكرد وتصويرهم أعداء محتلين، في محاولة للتغطية على المجازر المحلية المتعددة، واتفاقات الإذعان التي تتم على أكثر من صعيد، ناهيك عن محاولة امتصاص ردات فعل زيارة رأس السلطة الجديدة إلى روسيا، وغير ذلك من الاختراقات التي تمت بما تربّت عليه جمهرات العنصريين عبر عقود، ليتم تحميل الكرد وزر ومسؤولية الصراع، على خلاف الواقع، عبر تكوين بيئة حاضنة تسوّغ الاعتداء عليهم. ومن هنا فلم يعد الإعلام، بأشكاله التقليدية والحداثية وما بعد الحداثية، وسائل نقل للوقائع، بل أداة تعبئة سياسية تمهّد للعنف. تزامن ذلك مع نقض ونسف متكررين للاتفاقات المعلنة، إذ وُقّعت تفاهمات لما يسمى بـ"خفض التصعيد" ثم جرى خرقها خلال فترة قصيرة، وهكذا انعدمت الثقة بأي تعهد رسمي، لأن الوقائع أثبتت أن الوعود تُستعمل لكسب الوقت لا لحماية المدنيين.

أتذكر في هذا السياق مواقف شخصية لها دلالتها العملية، إذ إنني طالما كنت أقول في الندوات التي أقمتها مع الشهيد مشعل التمو في أوروبا عقب انتفاضة آذار 2004 إننا في الداخل لم نكن وحدنا، حيث كنا نستظهر بإرادة شعبنا التي لا تُقهر، بالرغم من حصار قامشلي بالدبابات والأسلحة الثقيلة، وإننا في الوقت نفسه كنا نستمد قوة إضافية من المظاهرات الاحتجاجية السلمية التي طالما أقامها أهلنا في الخارج، ومن وسائل الإعلام التي بدأت تؤدي دورها بصورة فعلية. إذ استفدنا منها، ككرد في سوريا، للمرة الأولى في إيصال صوتنا وكسر العزلة المفروضة علينا. وحقيقة، فإن هذه القناعة لم تكن مجرد تصور أو رجاء، بل وقائع تجربة عشناها عملياً، حيث كان صدى الخارج يخفف وطأة الضغط عن الداخل ويمنح الكرد، وهم تحت الحصار، شعوراً بأن لهم أهلاً يساندونهم.

من هنا يمكن فهم الوقفات الحالية باعتبارها امتداداً عفوياً لذلك الدرس، إذ إن التضامن الخارجي ليس رفع عتب، بل عامل قوة حقيقي. وحيث يخرج الآلاف في شوارع أوروبا وهم يرفعون مطالب واضحة في لافتاتهم وكلماتهم وشعاراتهم، فإن أصداء الرسالة تصل إلى الإعلام وصنّاع القرار، على أمل أن يجري وضع ما يحدث في كردستان سوريا ضمن دائرة الاهتمام العام. وهذا بحد ذاته يحدّ من قدرة المعتدين على العمل بعيداً عن المساءلة. ولعلنا جميعاً نسمع أصداء التعاطف مع شعبنا من قبل الشارع اليومي والرسمي، بالرغم من وجود إرادة مواجهة لتنفيذ خطط لاستعداء السوريين على بعضهم بعضاً، وليكون الكردي وقود ذلك، على أمل تحقيق ما يصبون إليه.

إن هذا الحراك الجماهيري الكبير في أوروبا لم يأت من فراغ، وإنما رداً على الانتهاكات الجسيمة التي حركت الضمائر إزاء ما يتم من نحر لأسر كاملة، أو خطف وقتل على الهوية، أو تهجير عشرات الآلاف من العائلات، وتدمير المساكن وقتل المدنيين الأبرياء، ولا سيما في الرقة ودير الزور، ناهيك عن حصار كوباني والحسكة. ولذلك فإنه لم يكن النزول إلى الشارع ردّة فعل انفعالية، بل موقفاً مبنياً على مجريات وأحداث ووقائع واضحة. ومن الطبيعي أن الكرد في المنافي يرتبطون بأقاربهم داخل تلك المناطق، متأثرين بالأخبار التي يتابعونها ساعة تلو أخرى، طالما أن الصمت تواطؤ وخيانة.

بالرغم من كل المؤامرات والتضحيات والدماء والأسر والتهجير، فقد تميّزت المظاهرات بطابع حضاري وسلمي منظم، إذ طالما تصدر توجيهات واضحة من منظمي هذه التجمعات السلمية، وهم من الشباب المستقل المتحمس، بضرورة الالتزام بالقوانين المحلية واحترام النظام العام وعدم الانجرار إلى أي احتكاك. لم تُرفع شعارات عدائية، ولم تُسجَّل أعمال تخريب، وإنما حضرت الأغاني الوطنية والأهازيج والزغاريد الجماعية من أفواه الصبايا والنساء والشباب والأطفال، وهم متدثرون بالعلم الكردستاني، رايتهم الجامعة، في صور ومشاهد رمزية عفوية تعلن عن حالة تضامن جماعي مع شعب بريء في مرمى الإبادة. وكيف لا، والأغاني تبث روح الحماس في الصفوف، والأهازيج تعزز الروح المشتركة، والعلم الكردستاني يجمع هؤلاء المتظاهرين للإعلان عن وقوفهم السلمي مع أهاليهم. وإذا كان كل ذلك جرى ويجري ضمن حالة احترام كامل للقوانين والتعليمات المحلية، فإن مثل هذا الانضباط منح الوقفات مصداقيتها الأخلاقية والإنسانية في آن واحد.

ورغم كل هذا وذاك، فقد حاول بعض المستفزين تشويه الصورة عبر تحريضات متعمدة ودفع الشباب إلى ردود فعل متسرعة. وحيث رأيت بأم عيني أحد تلك المشاهد، تدخلت مباشرة وأديت دوري في منع أي تصادم، لأن أي احتكاك كان سيُستغل فوراً لتشويه الاحتجاج بأكمله. هذا السلوك الحضاري السلمي لم يكن فردياً، بل توجه عام لدى المنظمين والمشاركين، عبر ضبط النفس وتفويت الفرصة على من يريد التشويه والتخريب.

لقد ترك هذا الانضباط أثراً واضحاً لدى المجتمع الأوروبي، بحسب مظنتي، بل وفق شهادات من التقيهم، إذ يلاحظ المارة ووسائل الإعلام أن المحتجين يتصرفون بمسؤولية ويحترمون النظام العام، ولا سيما أن المطالب تُطرح بلغة مفهومة ومباشرة بما يوسع دائرة التعاطف، لأن من يلتزم بالقانون وهو يطالب بحقه يكسب ثقة المجتمع تلقائياً. لذلك فإن هذه الوقفات تتحول إلى فضاء تواصلي مباشر مع الرأي العام الأوروبي، من دون أن تبقى أسيرة حراك منغلق على أصحابه.

وكشهادة، وفق ما رأيت من خلال مشاركتي في أكثر من وقفة سلمية، فإن السلطات المحلية تتجاوب بدورها بصورة إيجابية، إذ إنها لم تقصر في توفير الحماية لهذه الأنشطة التضامنية السلمية، لأن قوانين أوروبا العامة تعتبر الاحتجاج حقاً مشروعاً. ولا سيما أن مثل هذا التفاعل يؤكد أن السلمية والانضباط يجليان صورة القضية الكردية، وإنسانيتها، وشرعيتها، وتكريس حضورها في الفضاء العام كمطلب محق.

لكل هذا، فإن تضامن الكرد في المنافي يحقق دوره، ويكتسب التعاطف والمشروعية من المحيط الأوروبي والعالمي، لأن ما يحدث هو أن القهر والظلم المستمرين في الداخل يقابلهما تحرك مدني منظم في الخارج. تحريض وكراهية من جهة، يقابلهما وعي وانضباط من جهة أخرى. وهكذا تظهر الوقفات باعتبارها ممارسة مسؤولة تهدف إلى حماية الناس وكشف الظلم، وتأكيد أن هذا الشعب، أينما وُجد، يحوّل تضامنه إلى قوة ضغط قانونية مؤثرة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.