: آخر تحديث

مرة أخرى .. النفط يتحدى التوقعات

13
15
8
مواضيع ذات صلة

في غضون أسبوعين، كسرت أسعار النفط حواجز عديدة في الأسواق العالمية. يبدو أننا كلما زدنا تمحيصا للمسار التاريخي لهذه المادة الاستراتيجية، زدنا تخبطا في توقعاتنا لما ستؤول إليه معدلات الأسعار في نهاية المطاف. أغلب التكهنات كانت تشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط ستؤدي إلى زيادات كبيرة في الإنتاج، وعلى الخصوص من حقول الرمال النفطية التي انخفض أو توقف إنتاجها نتيجة للهبوط الحاد في الأسعار مع قدوم الجائحة في 2020.
وقرأنا أن عبور النفط سقف الـ60 دولارا، سيبعث الحياة في أبراج الحفر التي توقفت عن الإنتاج في الولايات المتحدة، وهي بالمئات، وستعيد التوازن إلى الأسعار وتكبح عبور هذه العتبة النفسية المهمة. ثم قرأنا أن عتبة الـ70 هي الأساسية، وحال بلوغها، ستدخل حقول ومنصات نفطية غير عاملة مسرح الإنتاج، واضعة حدا لصعود الأسعار.
وحبس المختصون والباحثون في شؤون النفط أنفاسهم وأكثروا من توقعاتهم حول زيادة محتملة لمعدلات الإنتاج، هذه المرة من قبل الدول المصدرة الرئيسة ضمن إطار منظمة أوبك وحلفائها.
وإذا بالنتائج تخيب ليس التوقعات، بل الظنون أيضا. وأخذت الأفكار تدور حول عتبة الـ80 دولارا، التي رأى البعض أن النفط لن يصلها أبدا لأنها صارت من الماضي، وإن وصلها، ستحدث عواقب تجبر الدول المصدرة لعقد اجتماع استثنائي والموافقة على زيادة حصص الإنتاج.
ويوم، الثلاثاء، 19 تشرين الأول (أكتوبر) الذي أخصصه لكتابة المقال الأسبوعي، أقرأ أن، سعر برميل خام برنت، حسب وكالة رويترز، تجاوز عتبة الـ85 دولارا بعامين.
في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2018 اخترقت أسعار النفط عتبة الـ85 دولارا. وبعد جزر كانت الجائحة السبب الرئيس له، ها هو النفط يعبر ذات العتبة وفي غضون ثلاثة أعوام وحسب.
مع جل احترامنا، القول إن مسار الأسعار "عاجلا أم آجلا" لن يكون على ما هو عليه، فيه من الصحة ومن الخطأ الكثير. إنه تفسير عام لحال الدنيا برمتها، لأن ليس فيها شيء يبقى على حاله، إن كانت أسعار النفط أو أي شأن آخر من شؤون الحياة على البسيطة هذه. منذ آب (أغسطس) من العام الماضي، عندما عبرت الأسعار عتبة الـ40 دولارا، والنفط شاغل الناس والإعلام في الدول الغربية. وقد لا نجافي الحقيقة إن قلنا إن النفط منذئذ صار على لسان الناس ربما أكثر من انشغالهم بوباء كورونا.
هناك سيناريوات قد تؤدي بالأسعار إلى الانحدار وهي في طريقها إلى 90 دولارا وربما مائة دولار أو أكثر، ولكنني أرى أن ما كان جاريا من سياقات في السابق ربما لن يفلح هذه المرة. ربط الارتفاع الحاد في الأسعار بالجائحة له مبرراته، بيد أنه يخفي عديدا من العوامل الأخرى أهمها التغييرات الجوهرية والتركيبية في الاقتصاد العالمي والحاجة الفائقة للطاقة لدوران عجلته. هناك صعود للإنتاج الصناعي والدخل القومي لدول لم يكن لها حتى وقت قريب شأن يذكر في الاقتصاد العالمي. الأمر لا يقتصر على الهند والصين، بل دول أخرى عديدة في جنوب شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ما نلاحظه هو بروز اقتصادات كبيرة تحتاج إلى الطاقة الأحفورية لاستدامة وتطوير الإنتاج والخدمات. وما نلاحظه، أن الإنجازات التي تحققها هذه الدول، ليست في الأغلب على حساب الاقتصادات التقليدية الكبيرة في غرب أوروبا أو شمال أمريكا. الدول هذه لم يتدن مستوى اقتصادها، لا بل هي أيضا تحقق قفزات في مضامير كثيرة.
ولعبة ارتفاع وانحسار أسعار النفط، يبدو أن مردودها كان سلبيا ليس على الدول المنتجة في إطار منظمة أوبك وحلفائها كما يتصور البعض. ما نلاحظه حاليا هو خشية المنتجين غير التقليديين المعتمدين على الرمل النفطي من تكرار تجارب الماضي، حيث رهنوا كل مقدراتهم على أسعار مجزية وإذا بالهبوط المفاجئ يذهب بأحلامهم أدراج الرياح. وعلى الرغم من الارتفاع في الأسعار، تظهر شركات استخراج الرمال النفطية في أمريكا مثلا انضباطا كبيرا وعزوفا بينا عن الدخول في سباق الإنتاج مع منظمة أوبك.
الانحدار المفاجئ للأسعار في السابق وهبوطها إلى أقل من 40 دولارا كان بمنزلة الضربة القاضية لكثير من شركات المنصات النفطية المعتمدة على الرمل النفطي. في آخر صعود للنفط في عام 2018 – عندما عبرت الأسعار سقف 80 دولارا للبرميل – كان في الولايات المتحدة أكثر من 800 منصة استخراج. أما الآن، وبعد أن عبر النفط سقف 85 دولارا للبرميل، هناك نحو 430 منصة، وهذا يشكل تجربة مهمة لتطورات ومتغيرات الصناعة النفطية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد