: آخر تحديث

نموذج دولة الإمارات في تهدئة الصراعات

12
12
8
مواضيع ذات صلة

ما زلنا نناقش بجدّية، كيف يمكن نجاح محاولات حل الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، سواء من مدخل المصالح بين الدول بأن تتجه جهود الحل والتسوية نحو إمكانية إحداث تغيير في العملية الذهنية أو العقلية التي لديها اهتمام بالتوصل إلى حلول مرضية لجميع الأطراف، وتلك عملية تحتاج إلى التفكير خارج الصندوق «التفكير الإبداعي» وليس فقط التفكير التحليلي وكذلك الديبلوماسية الاقتصادية، إضافة إلى استعمال نهج حل المشكلات في المفاوضات والمناقشات، أو من مدخل النظام السياسي أو الاجتماعي.
ففي كتابهما «مفاهيم السياسة الدولية»، الصادر في العام 1970 يرى كل من «تشارلز و. ليرش» و«عبد العزيز سعيد» أن الاستناد في تفسير ظاهرة الصراع الدولي من مدخل النظام السياسي قائم على فكرة أن النظام السياسي الدولي الذي يرتكز أساساً على مبدأ السيادة القومية يشكّل المصدر الأساسي لكل أشكال الفوضى والصراعات الدولية، وبالتالي فلا يمكن إذابة الإرادات السياسية والسيادة القومية الدولية ولكن يمكن القضاء على الصراعات الداخلية في كل دولة على حدة من خلال تكريس مبدأ السيادة القومية بصورة إيجابية وفعالة لأغراض السلام والأمن الداخلي بدمجها وتوحيد أهدافها ومصالحها السياسية تحت مظلة الدولة القومية وأهدافها ومصالحها العليا الاستراتيجية ودعم قوتها وقدراتها الوطنية ثم استعادة وتصحيح توازن العلاقات الدولية مع الأطراف الأخرى.
ومع أن إنهاء الصراعات السياسية الداخلية بشكل كامل وتوحيدها هدفٌ من أهداف الأمن القومي والوطني وقد يسهم في تدعيم إنشاء شبكة علاقات دولية متينة، إلا أنها أحيانا، وحسب «ليرش وسعيد، 1970» قد تنتج قوة إضافية للدولة قد تؤدي إلى الإسهام في تقوية في الاتجاه نحو الصراع السياسي بين الدولة والدول الأخرى، أو على الأقل زيادة احتمالات تورطها بدرجة أو أخرى في هذا الصراع. وهناك أمثلة كثيرة حالية في الشرق الأوسط لدول ظنّت صعود قوتها الداخلية فاتجهت نحو صراعات إقليمية، ولكن أيضاً وبمناقشة فكر «ليرش وسعيد، 1970» نرى أن وجود دول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، تتمتع بدبلوماسية استثنائية استطاعت استيعاب تلك الدول ومدّ أواصر السلام والتعاون معها لتخفيف حدة نزعتها للصراع السياسي واجتذابها تدريجيا نحو ساحات السلام والاستقرار والعلاقات الدولية المتوازنة.
ويتفق «لويس أ. كوسير» مع «مورتون ديوتش» في أن تعريف الصراع الاجتماعي أنه «كفاح ونضال حول القيم أو المطالب التي تتعلق بالوضع أو القوة أو المكانة أو الموارد النادرة، وتكون أهداف الأطراف المتصارعة فيها متشابكة منها تحييد الطرف الآخر أو إنهاكه أو إلى إلحاق الضرر أو التخلص من المنافسين كذلك كسب وتحقيق القيم المرغوبة»، ولذلك يعد المدخل الاجتماعي أحد أهم المقاربات النظرية في دراسة تفسير ظاهرة الصراع في مستوياتها المختلفة سواء تلك المتعلقة بالأفراد أو المتعلقة بالجماعات. فاتجه المدخل الاجتماعي عند انطلاقه بالاعتماد على المقاربات المتعلقة بتحليل الصراع الطبقي كما هي لدى «ماركس وانجلز» أو على نظريات التطور الاجتماعي كما ظهرت لدى داروين وأتباعه، أو كما تناولها «ماكس فيبر» على مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فاتسع نطاق الاهتمام في المدخل الاجتماعي لتفسير ظاهرة الصراع الدولي ليشمل المتغيرات المتنوعة التي تمثل روافد ظاهرة الصراع في جذورها المتعددة كالقيم والإدراك والأصول العرقية أو الإثنية، والأيديولوجية، والثقافية وغيرها، فمثلا حين نتحدث عن الإدراك، حسب «دروكمان»، فإن الفرضية الرئيسية للمدخل الاجتماعي تقوم على الاعتراف بالدور المحوري الذي يلعبه سوء الإدراك والوعي في تأجيج ظاهرة الصراع الاجتماعي، مع أن العلماء متفقون، في الجانب الآخر، أن الصراع في سبيل الوعي والفهم والإدراك يكتسب تأثيره الإيجابي، من أنه يشير أحيانا إلى الاختلافات بين الذات والآخرين حول أفضل طرق تحقيق الأهداف المشتركة.
بغض النظر عن المداخل، فإن تهدئة الصراع في الشرق الأوسط وتحقيق الأمن الإقليمي سيؤديان حتما إلى تصحيح توازن العلاقات الإقليمية وإنهاء الصراعات السياسية بشكل كامل ويسهمان في تدعيم إنشاء شبكة علاقات إقليمية ودولية متينة، ولدينا نموذج ناجح يتمثل في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي استطاعت من خلال الدبلوماسية الاستثنائية استيعاب معظم دولة الإقليم ومدّ أواصر السلام والتعاون معها لتخفيف حدة الصراعات في المنطقة واجتذاب دول الإقليم تدريجياً نحو ساحات السلام والاستقرار والعلاقات الدولية المتوازنة.
نموذج دولة الإمارات في تهدئة الصراعات، الذي وضع رؤيته صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتابعه مع فريق العمل المؤهل المتخصص، لحظة بلحظة، أثبت فاعليته على أرض الواقع، وخلال عامين كانت النتائج مبهرة، فانتهت صراعات دامت سبعين عاماً، وهدأت صراعات ظلت متحفزة لفترات طويلة مع دول في الإقليم، بل وتطورت لتصبح صداقات وعلاقات شراكة كما حدث مع تركيا، التي بلغت اليوم، مرحلة الاتفاق على خطوات عملية لتنمية التبادل التجاري والاستثماري والتعاون على الصعيد الاقتصادي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد