: آخر تحديث

علي الأنصاري.. منارة كويتية دبلوماسية وموسيقية

12
15
14
مواضيع ذات صلة

هو فرع من «شجرة مثمرة باسقة، كان نفعها كثيرًا لكل من استظل بظلها، واجتنى من فوائدها». هكذا وصفه الدكتور يعقوب يوسف الغنيم في زاويته «الأزمنة والأمكنة» بجريدة النهار الكويتية (14/‏3/‏2018). بل هو شخصية كويتية ذات مواهب متعددة ضمن الأبناء الذين أنجبهم الملا زكريا الأنصاري أحد رواد التعليم المبكر في الكويت، والذي خلدته بلاده بإطلاق إسمه على مدرسة في منطقة بيان، بعد وفاته سنة 1946 عن عمر ناهز الثمانين. 

والده هو «زكريا بن محمد بن جاسم بن عبدالله بن محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن علي بن يوسف بن خالد بن محمد بن جاسم بن عمر بن محارب بن قيس بن زمانان الأنصاري الخزرجي الأزدي القحطاني» المولود بمنطقة الباطنة العمانية سنة 1866، وطبقًا لموقع تاريخ الكويت، فإن زكريا قدم من المدينة المنورة إلى الكويت واستوطن بها في عام 1890 بطلب من عائلة العبد الرزاق كي يتولى الإمامة في مسجدهم ويفتح مدرسة لتحفيظ القرآن؛ بسب ما امتلكه من علوم ومعارف تلقاها على يد والده وعلماء المدينة المنورة والأحساء، فأسس مدرسة ملحقة بسكنه في سكة بن دعيج بحي العبد الرزاق في عام 1895 في عهد الشيخ محمد بن صباح الثاني (حكم من 1892 إلى 1896). وكانت هذه المدرسة تعلم في بداية الأمر القرآن الكريم وأمور الدين، قبل أن تضيف إلى منهجها علوم مسك الدفاتر وحسابات الغوص، ومن ثمّ مواد التاريخ والجغرافيا واللغة الانجليزية.

والدته هي السيدة «زكية بنت عبدالله الأيوبي» التي عـُرفت بتدينها الشديد بدليل قيامها بأداء فريضة الحج أكثر من عشر مرات، ناهيك عن إجادتها ترتيل القرآن الكريم. وقد انجبت لزوجها إضافة إلى علي، كلاً من محمد وعبدالله ويحيى وأحمد. لذا فإن الشاعر الكويتي محمود شوقي الأيوبي، الذي درس في مدرسة والدهم، هو خالهم، وهذا الأخير عـٌرف باسم «شاعر الطبيعة الاندونيسية» لأنه عاش عشرين عامًا في اندونيسيا بتكليف من الملك عبدالعزيز آل سعود، الذي أرسله إلى هناك عام 1939 للدعوة وتعليم الدين والعربية.

أعمامه هم: أبوبكر وعثمان وكلاهما من مواليد الرياض (ابن الأول الشيخ عمر بن ابي بكر الخزرجي الانصاري تولى تدريس أنجال الملك عبدالعزيز رحمه الله)، جاسم (مواليد المدينة المنورة)، وأحمد (مواليد سلطنة عمان).

شقيقه الأكبر هو الأديب والشاعر المعروف عبدالله زكريا الانصاري المولود في الكويت بفريج الفرج عام 1921 والمتوفى فيها عام 2006، والذي نشأ في ظل والده ودرس أولا بمدرسته (مدرسة الملا زكريا الأهلية)، حيث تلقى علوم القراءة والكتابة والحساب والقرآن قبل أن ينتقل في عام 1928 إلى المدرسة المباركية بُعيد افتتاحها، حيث أمضى بها دارسا مدة ثماني سنوات انتهت في عام 1936. وعلى إثر ذلك عمل مدرسا بمدرسة والده حتى عام 1942، علمًا بأنه ظل يعمل في التدريس منتقلا إلى المدارس الحكومية حتى عام 1944 حينما تمّ تعيينه محاسبًا في شركة تموين الأقمشة. وفي عام 1950 أختاره مجلس المعارف ليكون مشرفا ماليا وإداريا في بيت طلبة الكويت المبتعثين بالقاهرة المعروف باسم «بيت الكويت»، فسافر إلى هناك، حيث عمل وأقام حتى عام 1960. وبحصول الكويت على استقلالها، استعان به الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح في تأسيس الجهاز المالي والقنصلي لوزارة الخارجية، وفي أواخر عام 1962 تمّ تعيينه وزيرًا مفوضًا بالوزارة، حتى تاريخ تقاعده في عام 1987. وبعد تقاعده تفرغ لأعماله الأدبية والشعرية والفكرية المتنوعة.

أما شقيقه الأصغر فهو المهندس الفنان أحمد زكريا الأنصاري المولود في الكويت سنة 1931 والمتوفى بها سنة 2000. وهذا درس المرحلة الثانوية في مصر، ثم التحق بجامعة الإسكندرية لدراسة الهندسة المعمارية، وبعد تخرجه عام 1952 إلتحق في عام 1954 بجامعة أكسفورد العريقة لمواصلة دراسته العليا. وفي عام 1966 نال شهادة التخصص في التصميمات المعمارية والجدارية إلى جانب شهادات في الرسم والنحت والتصوير من أكاديمية بريرا الإيطالية التي ابتعث إليها، ما جعله ضمن الفنانين الشاملين ممن عملوا في فنون الديكور والمعمار والنحت والرسم التشكيلي. أما مسيرته المهنية فقد بدأت بالعمل كمهندس معماري في القسم الهندسي بدائرة معارف الكويت، حيث لوحظ أن لديه توجه خاص لجهة تطوير العمارة الكويتية على أسس علمية وعصرية لكن دون التخلي عن الأصالة والتراث القديم، وهو ما تجلى بأوضح الصور في كتاب ألفه عام 1982 من 300 صفحة مزينة باللوحات والرسومات. وعن الكتاب قال د. الغنيم (مصدر سابق) ما مفاده أنه مقسم إلى أبواب وفصول تتناول الفنون بشكل عام، والفنانين والتفرغ، والفنون الجميلة، والأغاني والألحان، وفن العمارة، والمكاتب الهندسية الاستشارية، والتعليم والمباني الدراسية، وغير ذلك.

ذلك هو علي زكريا محمد الأنصاري المولود بالكويت عام 1929 والذي درس في مدرسة الفلاح ثم انتقل إلى المدرسة المباركية التي أنهى فيها الصف الأول الثانوي سنة 1943، بينما أنهى الصفوف الثانوية التالية في المدرسة الثانوية السعيدية بالقاهرة التي ابتعث إليها. وبعد أن نال شهادة التوجيهية إلتحق سنة 1948 بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) والتي حصل منها في عام 1952 على ليسانس آداب اللغة الإنجليزية. بعد ذلك تم ابتعاثه إلى بريطانيا للدراسة بجامعة إكستر بجنوب إنجلترا، حيث درس لمدة عامين نال على إثرهما الدبلوم العالي في اللغة الإنجليزية. وحينما عاد إلى الكويت سنة 1954 عمل معلمًا للإنجليزية في مدرسة الشويخ الثانوية في الفترة ما بين عامي 1954 و 1957، ثم أصبح وكيلاً لثانوية الشويخ، ثم موجهًا للغة الإنجليزية بالمدارس المتوسطة والثانوية عام 1958. ويقول د. الغنيم (مصدر سابق) أن الرجل كان خلال هذه الفترة من عمله التربوي شديد النشاط في مجالات اجتماعية عدة، ومن ذلك مشاركته في تعليم الكبار مساءً، وحرصه على أن يكون مشرفًا على النشاط الموسيقي خارج ساعات العمل. كما كان مواضبا على ممارسة هواية الترجمة وكتابة القصص القصيرة.

وفي سنة 1959م تمّ تعيينه مشرفا على الطلبة الكويتيين في لندن، ليصبح بعد الاستقلال ملحقًا ثقافيًا بالسفارة الكويتية هناك حتى عام 1963، وهو العام الذي نقلت فيه خدماته إلى وزارة الخارجية حديثة التأسيس، حيث تولى فيها منصب وزير مفوض ومدير لإدارة الصحافة والثقافة. وفى العام 1966 بدأ مشواره الدبلوماسي في الخارج، فمن مساعد للسفير خالد جعفر في لبنان (1966-1968) إلى سفير في تونس (1968-1969) زمن الرئيس بورقيبة، ثم إلى مندوب دائم لبلاده في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وقنصل عام في سويسرا (1969-1973)، فسفيرًا في الاتحاد السوفييتي وسفيرًا غير مقيم في كل من النمسا ورومانيا وهنغاريا وبولندا (1973-1978)، ثم سفيرًا مقيمًا في البرازيل، وغير مقيم في كل من تشيلي والاكوادور والاوروغواي (1978-1986)، فسفيرًا مقيمًا في الهند وغير مقيم في كل من سريلانكا وجزر المالديف والنيبال وبوتان (1986-1991) خلال الغزو العراقي للكويت، فسفيرًا في إندونيسيا (1991-1994)، حيث كانت جاكرتا هي محطته الديبلوماسية الأخيرة. في كل هذه المواقع بذل جهدًا كبيرًا لرفعة شأن واسم وطنه، وحاز على العديد من الأوسمة وشهادات التقدير والتكريم من زعماء الدول التي مثل الكويت فيها.

بعيدًا عن نشاطه ودوره في المجالين الدبلوماسي والتربوي اللذين أشرنا إليهما فيما سبق، كانت له بصمات مشهودة في المجال الثقافي من خلال الكتابة والبحث والمشاركة في أنشطة الأدباء والمثقفين، خصوصًا وأنه كان على اطلاع واسع بالأدب الغربي بسبب تخصصه في آداب اللغة الانجليزية. وقد تجلى ذلك ابتداء في نشره لقصص وترجمات ومقالات بقلمه في مجلة «البعثة» الكويتية التي أسسها الطلبة الكويتيون الدارسون بمصر في عام 1946 لنشر الثقافة العامة والتعبير عن همومهم، والتي تولى شقيقه الأكبر عبدالله زكريا الأنصاري رئاسة تحريرها حينما شغر المنصب بذهاب رئيس تحريرها الأول الأستاذ عبدالعزيز حسين (التربوي والوزير والدبلوماسي ورجل الدولة لاحقًا) إلى لندن لمواصلة دراسته العليا. ومن أمثلة إسهاماته الأدبية قيامه بنشر ثلاث قصص قصيرة تحت عناوين: «عاشق الصورة»، «المتشائم»، و«بورقيبة» (كتبها حينما كان سفيرا في تونس). كما قام بترجمة مسرحية «تواضعت فظفرت» للكاتب الانجليزي أوليفر غولد سميث، والتي ظهرت ضمن منشورات المسرح العالمي سنة 1970 الصادرة عن وزارة وزارة الإرشاد والأنباء الكويتية. هذا إضافة إلى كتابته عددًا من المقالات في مجلة «العربي». كما عـُرف علي الأنصاري بحبه للرياضة، بدليل ممارسته لرياضات كرة القدم والسباحة والجري والتنس الأرضي وتنس الطاولة.

غير أن عشقه الأكبر كان للموسيقى التي تولع بها عندما كان في مرحلة دراسته الثانوية في مصر، حيث اشترى أول آلة عود من شارع محمد علي في عام 1948 بمبلغ ثلاثة جنيهات، ثم تعلم العزف عليه لاحقًا حينما عمل بوزارة التربية والتعليم بمساعدة الملحن الراحل عبدالرؤوف إسماعيل الذي كان يسكن في ثانوية الشويخ ويعلمه مرة كل أسبوع في ساعات المساء. وشيئا فشيئا تعمق ولعه بالموسيقى وراح يطور هوايته هذه تطويرا متتابعا معتمدا فيه على العلم والتجربة وكثرة المران. ثم انتهز فترة عمله كسفير في موسكو لدراسة الموسيقى بشكل علمي خارج أوقات عمله الرسمي، حيث بدأ بتلقي دروس النوتة والتوزيع الهارموني وتداخل الألحان (البولوفوني) وتقابل الألحان (كاونتر بوينت) على يد الموسيقار الروسي المشهور البروفيسور «ميخائيلوف» والموزع الموسيقي الروسي المعروف «آرام خاتشادوريان» وغيرهما. وبعد تعلمه لفنون الكتابة الأوركسترالية، بدأ عمله الموسيقي بكتابة «السنوناتا الأولى» لآلتي العود والكمان، محاولاً الجمع بين الموسيقى العربية بسماتها الشرقية الواضحة والتكنيك الغربي الهارموني والبولوفونى. وأثناء هذه المرحلة من حياته الدبلوماسية قام بتأليف مشروع السلام الأميري ومشروع النشيد الوطني الجديد في إطار مسابقة تأليف النشيد الوطني للكويت المستوحاة من قصيدة «يا دارنا يا دار» لمواطنه الشاعر الراحل أحمد مشاري العدواني، حيث تم تسجيله وبثه في إذاعة موسكو بتاريخ 13 سبتمبر 1977م، غير أن التسجيل وصل متأخرًا إلى الكويت، فلم يدخل المسابقة المذكورة. واصل الانصاري تعلم الموسيقى الاوركسترالية حينما نقل للعمل في البرازيل على يد البروفيسور بيكر فاليو، بل سافر آنذاك إلى غرامادو في جنوب البرازيل للتعرف على موسيقاها. وفي أثناء عمله الدبلوماسي في كل من الهند وإندونيسيا تابع باهتمام وشغف الفنون الموسيقية للبلدين، لا سيما موسيقى الراج الهندية. ولعل ما يبرهن على تألق الانصاري في المجال الموسيقي هو أن أعماله الموسيقية الأوركسترالية عـُزفت من قبل عدد من أكبر الفرق العالمية كالفرقة السيمفونية لمدينة ساو باولو البرازيلية، وفرقتي موزارت، والأوركسترا السيمفونية للأكاديمية الملكية في لندن، وفرقة الأوركسترا السيمفونية لأكاديمية شوبان في مدينة وارسو البولندية، وذلك طبقا لما كتبته عنه جريدة الأنباء الكويتية (25/‏‏1/‏‏2017) تحت عنوان «منارة ثقافية للراحل علي زكريا الأنصاري».

تقاعد الأنصاري من العمل الدبلوماسي في أغسطس 1994 بعد تمثيل بلاده في إندونيسيا سفيرا، فكان ذلك بمثابة مرحلة جديدة من حياته استثمرها خير استثمار في مراجعة وتصحيح ما كتبه من مؤلفات موسيقية، وإعادة تنويتها رقميا بواسطة الكمبيوتر. وقد شهدت هذه المرحلة قيامه بإضافة الحركة الرابعة إلى عمليه السيمفونيين: «رحلة حياة» و«السباحة ضد التيار»، وهما عملان تم تسجيلهما في لندن من قبل الأوركسترا السيمفونية لفرقة موزارت اللندنية المعروفة في مارس عام 1998 في قاعة سان جون الموسيقية. إلى ذلك، سجل مقطوعته الموسومة «نبض حالم» التي كان لآلة العود الدور الرئيس فيها، من أداء أستاذ آلة العود الكويتي القدير الدكتور إبراهيم طامي، إلى جانب دور المرواس الخليجي.

واستمرارًا لجهوده الموسيقية، قام في يوليو 2000، بتسجيل ست مقطوعات موسيقية كتبت للأوركسترا السيمفونية لأكاديمية شوبان في وارسو بقيادة عميد الأكاديمية البروفيسور «جيماك»، كما سجل في القاهرة بتاريخ 23 مايو 2001 ألبوما موسيقيا بقيادة المايسترو المصري «إبراهيم الراديو» تضمن تسع مقطوعات موسيقية كتبت لأوركسترا عربية كنواة لتطويرها في المستقبل وتقديمها إلى العالم بشكل متقن وراق، وسجل أيضا مجموعات من أسطوانات الليزر لعزف منفرد على آلة العود المحببة لقلبه، ست منها أطلق عليها «تأملات على العود»، وأسطوانتان بعنوان «انطباعات عن أغاني أم كلثوم»، وأسطوانتان بعنوان «انطباعات عن أغاني محمد عبدالوهاب». ووجه الأنصاري بعد ذلك جهوده نحو تطوير الأغاني الشعبية والتراثية الكويتية، لا سيما أغاني البحر والغوص، وذلك من خلال إضفاء الطابع الأوركسترالي عليها.

وعلى الرغم من قيام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت بتكريمه في مهرجان القرين الثقافي في دورته الثالثة والعشرين سنة 2017، من خلال ندوة ومعرض لصوره ومقتنياته وفيلم وثائقي عن حياته واسهاماته، وعلى الرغم من تكريمه في أبوظبي بتاريخ 6 أكتوبر 2011 من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لإنجازاته في مجال الإبداع الموسيقي، إلا أنه -من وجهة نظرنا- لم يحظ بالاهتمام الكافي الذي يستحقه، بدليل أن بعض أعماله الموسيقية ضائعة أو طواها النسيان، فلا يذكرها أحد سوى المهتمين والباحثين.

انتقل الأنصاري إلى جوار ربه في يوم السبت الموافق 16 يوليو 2011 بعد صراع مع المرض دام سبع سنوات، تاركًا خلفه سيرة عطرة وثلاثة أولاد (مازن ومعن ومجد) وابنة واحدة (هنادي)، إضافة إلى إرث موسيقي ومكتبة موسيقية كبيرة لتنهل منها الأجيال الحالية واللاحقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد